الصحراء تتغير .. فهل تتغير معها عقليات النخب التقليدية ؟

29 سبتمبر 2026
الصحراء تتغير .. فهل تتغير معها عقليات النخب التقليدية ؟

نخب الصحراء | كريم تكنزا

في السياسة، لا مكانة دائمة ولا نفوذ يستمر… فالتاريخ قد يمنح الاحترام، لكنه لا يمنح صكاً مفتوحاً للأبد. والأسماء التي صنعت حضورها في مرحلة معينة مطالبة، أكثر من غيرها، بإثبات قدرتها على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب.

هذا السؤال الدي بات يفرض نفسه اليوم بقوة في الساحة السياسية بالصحراء كلما جرى الحديث عن تراجع حضور بعض العائلات السياسية التقليدية داخل المشهد المحلي. فبعد سنوات طويلة من النفوذ والرمزية، بدأت تظهر مؤشرات تدفع كثيراً من المتابعين إلى التساؤل : هل أصبحت هذه النخب أسيرة ماضيها أكثر مما هي منخرطة في صناعة المستقبل؟

المشكلة التي يثيرها منتقدو هذا النموذج لا تتعلق بالرصيد التاريخي في حد ذاته، بل بطريقة التعامل معه، فهناك فرق بين تحويل التاريخ إلى مصدر إلهام للعمل والحضور الميداني، وبين تحويله إلى رصيد يُستهلك انتخابياً دون تجديد أو إضافة.

في زمن تتسابق فيه الجمعيات والمبادرات الشبابية والفعاليات الثقافية والرياضية لخلق دينامية جديدة داخل المجتمع، أصبح الغياب عن الميدان مكلفاً سياسياً. فالمواطن لا يرى الشرعية التاريخية بقد ما يرى من يشتغل ومن يحضر ومن يواكب ومن يقف أمام الإعلام تم يحاور…، لا من يكتفي بالظهور في فقط في المناسبات الإنتخابية.

لقد تغيرت قواعد التأثير. فالشباب الذين يقودون اليوم جزءاً مهماً من الحركية المدنية والثقافية لم يعودوا ينجذبون إلى الأسماء  والعائلات وحدها، بل إلى الفعل والإنجاز إلا الظهور المستمر وإلى الرؤية البناءة… فالنفوذ الاجتماعي أو الاقتصادي ليس كافياً لبناء الشرعية السياسية ما لم يترجم إلى مساهمة ملموسة في قضايا المجتمع والقرب من تطلعاتهم.

كما أن الثورة الرقمية قلبت كل المعادلات  التقليدية. فالحضور الإعلامي والتواصل المستمر والانفتاح على النقاش العمومي أصبح جزءاً مهماً من العمل السياسي نفسه. أما الغياب الطويل عن الفضاء العام وترك المجال للأصوات الأخرى لقيادة النقاش، فلا يؤدي إلى لتآكل الحضور والتأثير مهما كان الرصيد التاريخي كبيراً.

وبمدن الصحراء يطرح عدداً من الفاعلين سؤالاً آخر لا يقل أهمية، ما قيمة النفوذ الاقتصادي إذا لم ينعكس بشكل أو بآخر على دعم المبادرات الثقافية والرياضية والشبابية والتنموية؟ فالمجتمعات لا تتذكر فقط من راكم الثروة أو النفوذ… بل تتذكر أيضاً من يتصدر الإعلام ويحاور الصحافة ويساهم في بناء المشاريع ودعم الطاقات المحلية والمشاركة في صناعة الإشعاع الثقافي والاجتماعي… أما الإنغلاق والإعتماد على الشرعية التاريخية فقد انتهى زمنها.

فالرهان الحقيقي اليوم لم يعد الفوز بمقعد انتخابي أو الحفاظ على موقع سياسي، بقدر استعادة الصلة بالمجتمع. فالعائلات والأسماء التي صنعت حضورها عبر عقود مطالبة بإعادة تعريف دورها في ضوء انتظارات جيل جديد أكثر نقداً وأكثر مطالبة بالمشاركة والشفافية والانفتاح.

لذلك، فإن السؤال الذي يتردد في الأوساط المحلية ليس من يملك تاريخاً أكبر، بل من يملك مشروعاً للمستقبل. وليس من يملك اسماً أكثر شهرة، بل من يملك حضوراً أكثر تأثيراً في حياة الناس.

فالسياسة لا تعترف بالفراغ. وعندما يغيب الفاعل عن الميدان، يملأ غيره المساحة. وعندما يكتفي بالاعتماد على الأمجاد القديمة، يكتشف متأخراً أن المجتمع سبق الجميع إلى مرحلة جديدة لا يكفي فيها الاسم وحده، بل يجب أن يواكبه فعل وحضور ومساهمة مستمرة.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام عقليات النخب التقليدية بالصحراء … فهل تكتفي هذه النخب بحراسة ماضيها، أم ستنخرط مستقبلاً في رؤية الجيل الجديد وتطلعاته؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة