نخب الصحراء – الرأي
تكشف القراءة الأولى للنتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية المغربية عن مفارقة لافتة؛ تغيرت مواقع القوى داخل الخريطة الحزبية، لكن التوازن العام الذي حكم الولاية السابقة ظل، إلى حد بعيد، قائما.
وفي المقابل، كان التحول الأبرز خارج توزيع المقاعد نفسه، ويتمثل في الانخفاض الكبير للمشاركة، وصعود قوى معارضة داخل البرلمان، بما قد يعيد رسم العلاقة بين المعارضة المؤسساتية والاحتجاج خارج المؤسسات خلال السنوات المقبلة.
وأعلن وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج المؤقتة بـ97 مقعدا من أصل 395، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والاستقلال بـ65، فيما جاء العدالة والتنمية رابعا بـ54 مقعدا. وحصلت الحركة الشعبية على 29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، والاتحاد الدستوري على 17، بينما دخل تحالف اليسار البرلمان بثمانية مقاعد.
لكن الرقم الأكثر دلالة سياسيا قد لا يكون عدد المقاعد، وإنما نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 38.02 في المائة من المسجلين، مقابل أكثر من 50 في المائة في انتخابات 2021، لتكون الأدنى في انتخابات تشريعية منذ اقتراع 2007 الذي سجل مشاركة في حدود 37 في المائة.
“المشاركة السلبية” تتصدر المشهد
يمكن قراءة هذا العزوف باعتباره أحد أبرز معطيات الاقتراع، لكن تفسير أسبابه يحتاج إلى قدر من الحذر. فقد سبقت الانتخابات مؤشرات متعددة على تراجع الثقة في المؤسسات الحزبية والانتخابية، خصوصا وسط الشباب. ولم يكن الشباب بين 18 و24 عاما يمثلون سوى نحو أربعة في المائة من المسجلين، رغم أن وزنهم الديمغرافي أكبر بكثير. كما أظهرت استطلاعات سبقت الاقتراع مستويات مرتفعة من عدم الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وجاء الاقتراع بعد عام من احتجاجات حركة “جيل زد 212″، وما رافقها من اعتقالات ومتابعات، وبعد أسابيع فقط من أزمة العبور الجماعي نحو سبتة، وهي أحداث قرأها باحثون ومراقبون باعتبارها تعبيرات مختلفة عن أزمة ثقة وأمل لدى قطاعات من الشباب. ووصف محمد مصباح، رئيس المعهد المغربي لتحليل السياسات، أزمة سبتة بأنها شكل جديد من الاحتجاج الاجتماعي عبّر فيه مواطنون عن “خروج مادي” من السياسة المغربية.
ومن هذه الزاوية، لا يصبح الامتناع عن التصويت مجرد موقف سلبي بالمعنى التقليدي، وإنما يمكن النظر إلى جزء منه باعتباره «مشاركة سلبية»: مواطن لا ينخرط في الحزب ولا يذهب إلى صندوق الاقتراع، لكنه يعبر عن موقفه بالمقاطعة، أو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أو بأشكال احتجاجية تقع خارج المؤسسات التقليدية.
تغير داخل “الستاتيكو”
المفارقة الثانية أن هذا العزوف الواسع لم يؤد إلى انقلاب جذري في الخريطة الحزبية. فالأحزاب الثلاثة التي شكلت الأغلبية الحكومية السابقة بقيت في المراتب الثلاث الأولى، وإن تغير ترتيبها وتوزيع القوة بينها.
الأصالة والمعاصرة انتقل إلى الصدارة بـ97 مقعدا، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية بـ66 مقعدا، وحافظ الاستقلال على موقع متقدم بـ65 مقعدا.
وبذلك، يمكن الحديث عن تداول داخل الكتلة نفسها أكثر منه تحولا شاملا للكتلة الحاكمة. فالناخبون الذين شاركوا غيروا موازين القوى داخل الأغلبية السابقة، لكنهم لم يخرجوها مجتمعة من صدارة المشهد.
وهنا تظهر إحدى مفارقات انتخابات 2026: الاقتراع غير كثيرا في ترتيب مكونات الخريطة، لكنه لم يغير جذريا بنيتها العامة. حملاتوانتخابات
تصويت سياسي وعقابي
في المقابل، تحمل النتائج مؤشرات على أن جزءا من الناخبين الذين توجهوا إلى الصناديق مارسوا تصويتا ذا حمولة سياسية وربما عقابية، وهو تفسير تدعمه بصورة خاصة خسائر الحزب الذي قاد الحكومة السابقة مقابل تقدم قوى معارضة.
ويبرز العدالة والتنمية بوصفه الحالة الأكثر وضوحا. فالحزب الذي خرج من انتخابات 2021 بـ13 مقعدا عاد هذه المرة بـ54 مقعدا، أي أكثر من أربعة أضعاف تمثيله السابق، مستفيدا على الأرجح من حملة انتخابية هجومية أعادت تعبئة جزء من قاعدته ومن حضوره في المدن.
وبدرجة مختلفة، يحمل حصول تحالف اليسار على ثمانية مقاعد دلالة سياسية تتجاوز الرقم نفسه، لأنه يمنح هذا التيار حضورا برلمانيا جماعيا يمكن أن يحول جزءا من الخطاب الاحتجاجي الذي ظل لسنوات خارج المؤسسة التشريعية إلى معارضة من داخلها.
ولا تسمح النتائج وحدها بالجزم بدوافع كل ناخب، لكن اجتماع تراجع حزب قيادة الحكومة السابقة مع صعود العدالة والتنمية ودخول تحالف اليسار بكتلة من المقاعد يجعل فرضية “التصويت العقابي” إحدى القراءات الممكنة للنتيجة، إلى جانب اعتبارات محلية وتنظيمية وانتخابية أخرى.
من سيملأ الشارع؟
وهنا تطرح النتائج سؤالا ربما يكون أهم من هوية الأغلبية المقبلة: ماذا سيحدث للمعارضة خارج البرلمان؟
خلال السنوات الماضية، احتلت قوى حزبية وسياسية، من بينها العدالة والتنمية ومكونات يسارية، مساحة مهمة من الخطاب المعارض. ومع تعزيز حضور هذه القوى داخل البرلمان، قد ينتقل جزء من نشاطها السياسي إلى المؤسسة التشريعية، عبر الأسئلة واللجان ومناقشة القوانين ومواجهة الحكومة.
لكن دخول المعارضة إلى البرلمان لا يعني بالضرورة دخول الاحتجاج الاجتماعي معه.
بل قد يحدث العكس؛ كلما أصبحت المعارضة الحزبية أكثر اندماجا في اللعبة المؤسساتية، أصبحت المساحة الموجودة خارج المؤسسات أكثر انفتاحا أمام حركات اجتماعية وشبابية غير مؤطرة حزبيا، أو أمام تيارات أكثر راديكالية في موقفها من المؤسسات السياسية برمتها.
وتجربة “جيل زد” نفسها أظهرت أن التعبئة لم تعد تحتاج بالضرورة إلى حزب أو نقابة أو قيادة تقليدية؛ فقد تشكلت الحركة أساسا عبر المنصات الرقمية ورفعت مطالب اجتماعية وسياسية قبل أن تنتقل إلى الشارع.
عندما تختفي صناديق الاقتراع تبقى السياسة حملاتوانتخابات
لذلك، فإن أهم ما قد تقوله انتخابات 23 شتنبر ليس أن المغاربة ابتعدوا عن السياسة، وإنما أن أشكال المشاركة السياسية نفسها تتغير.
فتراجع التصويت والانخراط الحزبي لا يعنيان بالضرورة اللامبالاة. يمكن أن تنتقل السياسة من الحزب إلى الشبكة الاجتماعية، ومن الاجتماع التنظيمي إلى الحملة الرقمية، ومن التصويت إلى المقاطعة، ومن البرلمان إلى الشارع.
ومن هنا يمكن تفسير مفهوم “المشاركة السلبية” بكونه نوع من الامتناع يحمل رسالة سياسية عندما يكون واعيا ومقصودا، وإن كان من الصعب إحصائيا فصل المقاطعة السياسية عن الامتناع لأسباب عملية أو اللامبالاة.
وإذا تأكد هذا الاتجاه خلال السنوات المقبلة، فقد يكون المغرب أمام مشهد سياسي مزدوج: معارضة مؤسساتية أقوى داخل البرلمان، مقابل معارضة اجتماعية أقل تنظيما وأكثر استقلالا عن الأحزاب في الشارع والفضاء الرقمي.
وفي انتظار اتضاح تركيبة الأغلبية الحكومية الجديدة وبرنامجها، توحي النتائج الأولية بأن انتخابات 2026 أعادت توزيع القوة داخل النظام الحزبي أكثر مما أحدثت قطيعة معه؛ تغير الحزب المتصدر، تراجع الأحرار، عاد العدالة والتنمية بقوة، ودخل تحالف اليسار بثمانية مقاعد، لكن الأحزاب الثلاثة التي أدارت الولاية السابقة ظلت مجتمعة في قلب الخريطة الجديدة.
وبهذا المعنى، ربما تكون المفارقة الأبرز أن الانتخابات غيرت الكثير داخل “الستاتيكو”، من دون أن تغير حتى الآن “الستاتيكو” نفسه. أما الاختبار الحقيقي لهذه الخريطة فلن يكون فقط داخل البرلمان، بل في قدرتها على استعادة أولئك الذين اختاروا البقاء خارجه.



















عذراً التعليقات مغلقة