نخب الصحراء | كريم تكنزا
مع اقتراب الذكرى الأولى لعيد الوحدة، الذي يصادف 31 أكتوبر، تتجه الأنظار إلى الأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث تتقاطع رمزية المناسبة مع التحولات المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء المغربية دبلوماسياً وأممياً. غير أن هذا الموعد يفتح في العيون نقاشاً من نوع آخر، ما حجم الحركية التي تعيشها عاصمة الأقاليم الجنوبية؟ وإلى أي حد ينخرط فاعلوها المحليون في مواكبة هذه المرحلة؟
ففي الوقت الذي أعدّت فيه السمارة برنامجاً متنوعاً يمتد على عدة أيام، يجمع بين الأنشطة الثقافية والدينية والرياضية والفنية، ويعرّف بالمؤهلات الاقتصادية والمشاريع التنموية للإقليم، تستعد طانطان لاحتضان الدورة التاسعة عشرة من موسمها الثقافي ما بين 30 أكتوبر و3 نونبر، بالتزامن مع المناسبة. مبادرات تعكس توجهاً واضحاً نحو ربط الاحتفال الوطني بالإشعاع الثقافي وتنشيط الحياة المحلية لتنضاف إليهم كل من بوجدور و الطرفاية…
في المقابل، يتساءل متابعون للشأن المحلي بالعيون عن محدودية التظاهرات المواكبة للمناسبة، في مدينة يُفترض، بثقلها الإداري والسياسي ورمزيتها التاريخية، أن تكون في صدارة الحواضر المحتضنة للأنشطة الكبرى ذات البعد الوطني.
لا يمكن اختزال الاحتفال بعيد الوحدة في تزيين الشوارع بالأعلام الوطنية والمجسمات الضوئية، على أهمية هذه المظاهر في صناعة الأجواء الاحتفالية. فمناسبة بهذا الثقل التاريخي تقتضي برامج ثقافية ورياضية وفنية، وندوات فكرية، ومبادرات شبابية تتيح للساكنة أن تكون شريكة في الاحتفال لا مجرد متفرجة عليه، ومن هنا تبدو الأسئلة مشروعة حول طبيعة البرنامج المحلي المخصص للمناسبة، وحول قدرة المجالس المنتخبة والفاعلين الثقافيين والرياضيين والجمعويين على تحويلها إلى فرصة لإحياء الفضاء العام، بدل الاكتفاء بواجهة بصرية.
ولا يتعلق الأمر بإنكار ما تشهده المدينة من أشغال تهيئة وتزيين، بل بالتساؤل عما إذا كانت هذه الاستعدادات التزينية ترافقها دينامية موازية في البرمجة، تليق بمكانة العيون وبحجم انتظارات ساكنتها.
يوم 31 أكتوبر يكتسي رمزيته الخاصة عقب القرار الملكي بإقراره عيداً وطنياً تحت اسم “عيد الوحدة”، استحضاراً للتحول الذي عرفه مسار القضية الوطنية، وللدلالات التي حملها قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في التاريخ نفسه سنة 2025، والذي جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية مرجعية أساسية للمفاوضات الرامية إلى حل سياسي في إطار المسار الأممي. وقد أكد الخطاب الملكي في اليوم ذاته أهمية الانتقال إلى مرحلة جديدة في تدبير القضية، مع مواصلة الجهود من أجل حل سياسي توافقي.
وفي أكتوبر 2026، يتجدد النقاش داخل الأمم المتحدة، وسط تداول مشروع قرار أمريكي جديد وتقارير عن مراجعة مستقبل بعثة المينورسو. ويبقى من الضروري هنا التمييز بين المسودات التي لا تزال قيد النقاش والقرارات التي يعتمدها مجلس الأمن فعلياً.
في هذا السياق، لا ينبغي أن يظل عيد الوحدة موعداً احتفالياً فحسب، بل فرصة لتجديد النقاش حول التنمية المحلية، وإشراك الساكنة وخلق دينامية، وتعزيز الأدوار الثقافية والاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية، انسجاماً مع رهانات المرحلة المقبلة.
والسؤال اليوم ليس ما إذا كانت العيون تملك الإمكانات اللازمة لاحتضان تظاهرات وازنة، فهي تملكها وتملك ما لا تملكه باقي الأقاليم، بل السؤال هو، كيف تُستثمر هذه الإمكانات في برامج ملموسة، وما طبيعة التنسيق القائم بين المجالس المنتخبة والسلطات المحلية والفاعلين المدنيين والثقافيين والرياضيين…
فمدينة بحجم العيون، بما تختزنه من رمزية وبنية تحتية ومؤسسات وطاقات شبابية، يُفترض أن تكون فضاءً مفتوحاً للمبادرات، وأن تجعل من المناسبات الوطنية الكبرى منصة لإبراز مؤهلاتها وتعزيز جاذبيتها.
ولا ينبغي أن تتحول المقارنة مع السمارة وطانطان إلى تنافس بين الأقاليم، بل إلى مناسبة لتبادل التجارب وتعميم المبادرات الناجحة؛ فنجاح إقليم في تنظيم برنامج متميز لا ينتقص من غيره، وإنما يطرح سؤال التكامل بين مدن الصحراء المغربية.
كما أن أي حكم على ضعف البرمجة يظل بحاجة إلى تقييم موضوعي للبرامج المعلنة والمنفذة، ولحجم مساهمة كل مؤسسة، بعيداً عن الانطباعات أو تحميل جهة بعينها المسؤولية دون معطيات كافية.
ساكنة العيون تتطلع اليوم إلى أن تكون المناسبات الوطنية محطات تشعر فيها بأن مدينتها حاضرة فعلاً، لا عبر الأعلام والأضواء وحدها، بل من خلال أنشطة تستقطب الشباب والأسر، وتمنح الجمعيات والطاقات المحلية فرصة للمشاركة، وتخلق حركية ثقافية واقتصادية في الفضاءات العامة.
فالمرحلة التي تعرفها القضية الوطنية تفرض، إلى جانب العمل الدبلوماسي، الاهتمام بجودة التدبير المحلي وفعالية المؤسسات. والإشعاع الوطني والدولي للمدينة لا ينفصل عن حيوية مجتمعها، ولا عن الفرص التي تتيحها لشبابها، ولا عن مستوى الخدمات والأنشطة التي توفرها لساكنتها.
وبين رمزية عيد الوحدة ورهاناته، تقف العيون أمام سؤال يستحق نقاشاً مسؤولاً، هل تنجح في تحويل هذه المناسبة إلى انطلاقة لدينامية ثقافية ورياضية وتنموية متجددة، أم تظل الاحتفالات حبيسة مظاهر التزيين؟
والسؤال الذي نطرحه اليوم، من أطفأ شعلة المبادرة في العيون؟ وهل أغرقت رفاهية المسؤولين عاصمة الصحراء في سباتٍ طويل، حتى باتت تتفرج على مدن الأقاليم الجنوبية وهي تحتفل وتتحرك، بينما تكتفي هي بالأضواء التي تزيّن شوارعها؟ ومن يحاسب المسؤولين عن هذا الخمول؟

















