من “المينورسو” إلى “المنساسو” .. مجلس الأمن أمام اختبار الانتقال من تدبير النزاع إلى مواكبة الحل

منذ 4 ساعات
من “المينورسو” إلى “المنساسو” .. مجلس الأمن أمام اختبار الانتقال من تدبير النزاع إلى مواكبة الحل

نخب الصحراء – ملفات

لم يعد النقاش حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” محصورًا في التمديد الدوري لولايتها، ولا في تقييم قدرتها على مراقبة وقف إطلاق النار وتتبع الوضع الميداني. فالسؤال المطروح اليوم يمس جوهر المرحلة المقبلة من النزاع: هل مجلس الأمن مستعد للانتقال من تدبير أزمة امتدت لعقود إلى ابتكار آليات عملية لتنفيذ تسوية سياسية واقعية ودائمة؟

في هذا السياق تبرز فرضية الانتقال من “المينورسو” إلى بعثة أممية جديدة يمكن تسميتها افتراضيًا “المنساسو”، أي بعثة الأمم المتحدة لمواكبة تنفيذ الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. وهي فرضية تبقى تصورًا سياسيًا مفتوحًا للنقاش، وليست قرارًا أمميًا معلنًا أو تحولًا مؤكدًا في ولاية البعثة.

ولا يتعلق الأمر بمجرد استبدال اسم بآخر، بل بإمكانية إعادة تعريف الوظيفة الأممية نفسها: الانتقال من مراقبة مسار تسوية متعثر منذ عقود إلى مواكبة تنفيذ حل سياسي يحظى بقبول دولي، ويعزز الاستقرار الإقليمي، وينسجم مع مقتضيات الشرعية الدولية. فهل يحمل قرار مجلس الأمن المرتقب هذا العام مؤشرات على تحول من هذا النوع؟ وهل يمكن أن تشكل المراجعة الجوهرية لمهمة “المينورسو” مدخلًا لإعادة ترتيب الأولويات الأممية، بما يجعل الحكم الذاتي محورًا لتسوية تنهي الجمود وتفتح أفقًا جديدًا أمام مستقبل الصحراء المغربية؟

تكمن أهمية القرار 2797، الذي اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025، في أنه لم يقتصر على تمديد ولاية “المينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026، بل ربط مستقبل البعثة بمآلات المفاوضات السياسية، وطلب من الأمين العام تقديم مراجعة استراتيجية لولايتها المستقبلية في غضون ستة أشهر، مع مراعاة نتائج المفاوضات بين الأطراف. كما جعل المقترح المغربي للحكم الذاتي أساسًا للمفاوضات الرامية إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، وأقرّ بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمثل النتيجة الأكثر واقعية.

هذه المقتضيات تفتح الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز منطق التمديد السنوي المعتاد. فحين يطلب مجلس الأمن مراجعة استراتيجية لمهمة أممية تجاوز عمرها ثلاثة عقود، فإنه يطرح، على الأقل، سؤالًا مشروعًا حول مدى ملاءمة أدوات المرحلة السابقة لمتطلبات المرحلة الجديدة.

غير أن الإنصاف يقتضي التمييز بين ما نص عليه القرار فعلًا وما قد تفضي إليه تطورات المسار السياسي. فالقرار 2797 لم يقرر تغيير اسم “المينورسو”، ولا إنهاء مهمتها، ولا استبدال الاستفتاء ببعثة لمرافقة الحكم الذاتي، وإنما أقرّ مراجعة مستقبلية تأخذ نتائج المفاوضات في الحسبان. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي في قرار أكتوبر 2026 يتمثل في طبيعة الرسالة السياسية التي سيحملها: هل سيواصل مجلس الأمن إدارة الوضع القائم، أم سيترجم التحولات الدبلوماسية إلى إعادة توجيه تدريجية للجهد الأممي نحو تسوية نهائية؟

ليست “المنساسو” في الوقت الراهن اسمًا رسميًا لأي بعثة أممية، بل اقتراحًا تصوريًا يعكس احتمال الانتقال إلى وظيفة مختلفة. فـ”المينورسو”، التي أُنشئت سنة 1991 في إطار مخطط التسوية، ارتبطت تاريخيًا بمراقبة وقف إطلاق النار والتحضير لاستفتاء كان يُفترض أن يحدد مستقبل الإقليم. ومع تعثر هذا المسار لعقود، صارت مراجعة أدوات التسوية جزءًا لا يتجزأ من النقاش حول مستقبل البعثة.

انطلاقًا من ذلك، يمكن تصور بعثة أممية بولاية جديدة لا تقتصر على مراقبة الميدان، بل تسهم في مواكبة ترتيبات التسوية السياسية، والتحقق من احترام الالتزامات المتفق عليها، ودعم الضمانات المؤسساتية والحقوقية، وتيسير الانتقال نحو نموذج الحكم الذاتي إذا أفضت المفاوضات إلى اتفاق نهائي بشأنه.

لكن هذا التحول، إن تحقق، سيكون إعادة هندسة كاملة لوظيفة البعثة، تستلزم قرارًا واضحًا من مجلس الأمن يحدد اختصاصاتها وآليات عملها وعلاقتها بالأطراف والضمانات اللازمة لتنفيذ التسوية. كما يتطلب توافقًا سياسيًا كافيًا حتى لا تتحول البعثة الجديدة إلى مصدر إضافي للتوتر بدل أن تكون أداة لتثبيت الحل. وهنا تتجلى قوة الفكرة وحدودها معًا: قوتها في انسجامها مع منطق الانتقال من النزاع إلى التسوية، وحدودها في أن هذا الانتقال لا يُفرض بإعلان سياسي أو بتسمية جديدة، بل يحتاج إلى مسار تفاوضي ومرجعية أممية صريحة.

يحمل تطور لغة القرارات الأممية دلالات سياسية واضحة. فاعتماد المقترح المغربي أساسًا للمفاوضات، والإقرار بأن الحكم الذاتي الحقيقي هو الحل الأكثر قابلية للتحقق، يمنحان المبادرة المغربية موقعًا متقدمًا في هندسة المسار التفاوضي. غير أن ذلك لا يعني أن مجلس الأمن حسم كل تفاصيل الحل النهائي، أو أنه أقرّ تطبيق الحكم الذاتي بصيغته التنفيذية.

لذلك، فإن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، متى نضجت شروطه السياسية، سيحتاج إلى تصور مؤسساتي واضح يحدد اختصاصات السلطات المحلية، وآليات تدبير الموارد، وضمانات المشاركة السياسية، وحماية الحقوق والحريات، وطبيعة العلاقة بين المؤسسات المحلية والسلطة المركزية. كما يتطلب ترتيبات موثوقة لبناء الثقة وضمان الأمن والاستقرار، حتى تصبح التسوية واقعًا سياسيًا قابلًا للحياة، لا مجرد صيغة دبلوماسية على الورق. فالحكم الذاتي يستمد قدرته من الإطار السياسي المستقر الذي يوفره، ومن الضمانات التي تحمي الحقوق، ومن شرعية المؤسسات التي ستدبر شؤون السكان في إطار الاتفاق النهائي.

تكتسب محطة أكتوبر 2026 أهمية مضاعفة، لأن ولاية “المينورسو” تنتهي في 31 أكتوبر الجاري، ولأن مجلس الأمن سينظر في تجديدها على ضوء التطورات السياسية والمراجعة الاستراتيجية التي طلبها القرار السابق. وتفيد المعطيات المتعلقة ببرنامج المجلس بأن تجديد الولاية مدرج على جدول أعماله خلال هذا الشهر.

وعليه، فإن السؤال ليس ما إذا كانت “المنساسو” ستولد حتمًا هذا العام، بل ما إذا كان القرار الجديد سيؤسس لتحول ملموس في فلسفة المهمة الأممية: من إدارة نزاع مفتوح على احتمالات متعددة إلى مواكبة مسار سياسي أكثر تحديدًا، قوامه التفاوض على الحكم الذاتي وضمانات الحل النهائي. وقد يتجسد هذا التحول في مراجعة اختصاصات البعثة أو إعادة ترتيب أولوياتها دون تغيير اسمها بالضرورة، وقد يستمر الإطار الحالي مع تعديلات تدريجية تبعًا لما ستسفر عنه المفاوضات. أما استحداث بعثة جديدة باسم “المنساسو”، فيبقى احتمالًا سياسيًا مشروطًا بقرار أممي صريح، لا نتيجة تلقائية للقرار 2797.

في نهاية المطاف، يتجاوز الرهان المغربي الانتصار الرمزي في معركة المصطلحات إلى تحويل الزخم الدبلوماسي إلى تسوية قابلة للتنفيذ، تحفظ الاستقرار وتفتح آفاق التنمية والاندماج الإقليمي. فنجاح أي حل يُقاس بقدرته على إنهاء حالة الانتظار، وبناء مؤسسات مستقرة، وتوفير ضمانات تحظى بالثقة.

“من المينورسو إلى المنساسو؟” قد تكون عنوانًا لمرحلة جديدة، لكنها ليست بعدُ خبرًا عن قرار اتُّخذ. وما ستكشفه محطة أكتوبر 2026 هو مدى استعداد الأمم المتحدة للانتقال من مراجعة وظيفة البعثة إلى إعادة تعريفها عمليًا. فبين تمديد الولاية وتغيير المهمة مسافة سياسية وقانونية لا يختصرها الاسم، هي المسافة الفاصلة بين تدبير النزاع وصناعة شروط الحل.

اترك رد