نخب الصحراء | عمود مدير النشر
في الأقاليم الجنوبية، تُرى الثروة في القصور والمشاريع والأساطيل والرخص…، لكن نادرًا ما تُرى في مِنحة لطالب متفوق، أو قافلة طبية، أو مقر جمعية يحمل اسم مُحسن. سؤال يتردد في المجالس ولا يُطرح بصوت عالٍ : أين أثرياء الصحراء من المسؤولية الاجتماعية؟
لا أحد ينكر أن عددًا من العائلات الصحراوية لعبت أدوارًا مشهودة في مراحل دقيقة من تاريخ المنطقة، وأنها كانت جزءًا من مسار ترسيخ الوحدة الترابية وبناء الثقة بين المركز والجنوب. وفي هذا السياق، حظيت هذه العائلات بثقة الملك الراحل الحسن الثاني، الذي فتح أمامها أبواب الاستفادة والاستثمار في خيرات الصحراء : كرخص الصيد البحري، والمقالع والعقار، والنقل والتجارة والصفقات…
كانت تلك الثقة، في جوهرها، رهانًا سياسيًا واجتماعيًا: أن تكون هذه النخب جسرًا للتنمية، وأن تعود ثمار الاستثمار على المنطقة وساكنتها. واليوم، وبعد عقود من التراكم، يحق للرأي العام المحلي أن يسأل : هل تحقق الشق الثاني من هذا الرهان؟
تحولت ثروات الصحراء، أو جزء معتبر منها، إلى رصيد تتقاسمه دائرة ضيقة من العائلات، بينما ظلت فئات واسعة من الشباب تعاني البطالة، وظلت أحياء هامشية في العيون والداخلة وغيرهما تنتظر ما يخفف عنها وطأة الهشاشة.
وفي المقابل، تتحمل الدولة العبء الأكبر كدعم الجمعيات، وتمويل المبادرات الخيرية والاجتماعية، وبرامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فضلًا عن الاستثمارات الضخمة التي رُصدت للنموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية منذ إطلاقه سنة 2015. فالدولة حاضرة في كل شيء تقريبًا، بينما يغيب عن المشهد من استفادوا أكثر من غيرهم من خيرات هذه الأرض.
والأمر هنا لا يتعلق بتعميم ظالم، فهناك من يُحسن في صمت، ومن يفضّل العطاء بعيدًا عن الأضواء، وهذا مقدّر. لكن العطاء الفردي المتفرق، على أهميته، لا يرقى إلى مستوى مسؤولية اجتماعية منظمة تليق بحجم الثروة وبحجم الحاجة.
في التجارب الحديثة، لم تعد المسؤولية الاجتماعية عملًا تطوعيًا هامشيًا، بل صارت جزءًا من شرعية الثروة نفسها. فالمقاولة التي تستفيد من موارد عمومية أو طبيعية، من بحر أو أرض أو رخصة، مدينة للمجتمع الذي منحها هذا الامتياز. وكلما كانت الثروة مرتبطة بخيرات جماعية، كان واجب ردّ جزء منها إلى الجماعة أوضح وآكد.
ثم إن في الموروث الصحراوي نفسه ما يغني عن أي درس مستورد: قيم الكرم، والتكافل القبلي، و”التويزة”، ونصرة المحتاج. هذه القيم كانت يومًا ما تنظم حياة البادية، ومن المفارقة أن تتراجع حين اتسعت الثروة.
المطلوب ليس صدقات موسمية، بل مبادرات مؤسسية مستدامة، من بينها تتمثل في إحداث مؤسسات خيرية أو تنموية تحمل أسماء العائلات وتعمل بميزانيات سنوية واضحة وحكامة شفافة، ومنح دراسية للطلبة المتفوقين من أبناء الأسر المعوزة، بالإضافة إلى دعم ريادة الأعمال لدى الشباب عبر حاضنات مشاريع وقروض صغرى وتأطير، بدل انتظار الوظيفة العمومية. إلى جانب خلق شراكات مع جمعيات المجتمع المدني الجادة، وتخفيف عبء تمويلها عن ميزانية الدولة… وغيرها من المبادرات.
كما أن الإطار القانوني المغربي يتيح خصم الهبات المقدمة للجمعيات المعترف لها بصفة المنفعة العامة من الوعاء الضريبي، ما يجعل العطاء المنظم ممكنًا وغير مكلف بالشكل الذي قد يُتصور.
لا يكفي انتظار مبادرة ذاتية قد لا تأتي. يمكن للسلطات العمومية والمنتخبين أن يشجعوا هذا التوجه عبر ميثاق جهوي للمسؤولية الاجتماعية، يربط بعض الامتيازات والرخص والصفقات بمساهمات اجتماعية واضحة، ويُعلن عن المساهمين ومساهماتهم بشفافية. كما يقع على عاتق الإعلام والمجتمع المدني دور الإشادة بالمبادرات الجادة، ومساءلة الغياب بلغة هادئة ومسؤولة.
فالصحراء التي منحت هذه العائلات الكثير، تنتظر منها اليوم القليل في صورة مبادرات تعيد الأمل لشبابها وتخفف عن فقرائها وتشارك الدولة أعباءها. لقد كانت ثقة الراحل الحسن الثاني أمانة، والثروة التي تولدت عنها أمانة أيضًا. والسؤال الذي يطرحه الشارع الصحراوي اليوم بسيط وواضح : هل حان الوقت لأن تتحول هذه الثروات من رصيد عائلي مغلق إلى رافعة للتنمية المشتركة؟ الجواب لا تملكه الدولة وحدها، بل تملكه هذه العائلات قبل غيرها.

















