نخب الصحراء – مدير النشر
في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة جماعة فم الواد أن تتحول جماعتها إلى قطب سياحي واستثماري حقيقي، تستفيد من موقعها الساحلي وقربها من مدينة العيون وما تتوفر عليه من مؤهلات طبيعية ومجالية…، تجد اليوم ساكنة جماعة فم الواد نفسها مرة أخرى غارقة في صراعات سياسية.
وتعثر دورة أكتوبر، بعد حضور ستة أعضاء فقط من أصل 16 عضواً، لا يمكن اختزاله في مجرد أزمة نصاب قانوني، بل يطرح سؤالاً أكبر حول مدى قدرة المؤسسة المنتخبة على القيام بدورها في خدمة المواطنين وضمان استمرارية المرفق العام.
فم الواد جماعة ساحلية تتوفر على موقع جغرافي مهم، وقرب استراتيجي من كبرى حواضر الصحراء المغربية مدينة العيون، ومقومات يمكن أن تجعل منها فضاءً سياحياً واستثمارياً واعداً، قادراً على خلق فرص اقتصادية وتشغيلية لفائدة عدد من شبابها التائه، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو : ماذا تحقق فعلياً من هذه المؤهلات؟
فبعد سنوات من التدبير, ما تزال الجماعة قم الواد تبحث عن موقعها الحقيقي داخل الدينامية التنموية التي تعرفها جهة العيون الساقية الحمراء، بينما ظلت بعض الوجوه نفسها حاضرة في المشهد السياسي، في وقت كان يفترض أن تكون الأولوية لتراكم المشاريع والخبرات والنتائج لا للبوكاج السياسي والصراعات الصبيانية.
المشكلة اليوم، ليست فقط في تعثر دورة أكتوبر أو صراع سياسي، وإنما في استمرار نموذج سياسي يجعل النقاش العمومي يدور حول من سيجلس على كرسي الرئاسة؟ أكثر مما يدور حول ماذا سيفعل الرئيس والمجلس من أجل فم الواد؟
جماعة فم الواد وحسب مصادر مقربة، سبق أن وقع اتفاق مرتبطة بالتداول على رئاسة المجلس تجعل الصراع الحالي أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا كان الخلاف مرتبطاً بتنفيذ تعهدات سياسية سابقة أكثر من ارتباطه ببرامج أو تصورات تنموية.
وهنا تجد ساكنة فم الواد نفسها أمام معادلة غير عادلة : صراع سياسي على الرئاسة من جهة، ومصالح يومية وتنموية معلقة من جهة أخرى.
فالساكنة لا تنتظر معرفة من سيلتزم باتفاق سياسي مع طرف آخر، ولا يهمها من سيتولى الرئاسة في إطار حسابات التحالفات ولا دورات ولا حضور ولا غياب.. ، بقدر ما تنتظر خدمات أفضل، ومشاريع استثمارية، وتنمية سياحية حقيقية، وفرصاً للشباب، وتأهيلاً للمجال، وتدبيراً يرقى إلى حجم الإمكانات التي تتوفر عليها الجماعة.
الأكثر إثارة للنقاش هو أن الصراع الحالي على رئاسة المجلس يجري، في جزء منه، بين وجوه سبق لها أن كانت حاضرة في المشهد المحلي، وهو ما يفتح الباب أمام السؤال مجدداً، إذا كانت نفس الوجوه تتنافس اليوم على الرئاسة، فأين هي الحصيلة التنموية التي يفترض أن تبرر العودة إلى الواجهة؟
فالمطلوب اليوم ليس إعادة إنتاج الصراعات نفسها، ولا تدوير الأشخاص أنفسهم داخل المعادلات السياسية ذاتها، وإنما تقديم مشروع واضح لفم الواد، يحدد كيف يمكن تحويل المؤهلات السياحية والمجالية للجماعة إلى استثمارات وفرص شغل ومداخيل وتنمية مستدامة.
فالمغرب الذي يتغير بسرعة، والذي يراهن على تنزيل أوراش تنموية كبرى وتعزيز جاذبية المجالات الترابية، لا يمكن أن تظل فيه جماعة تتوفر على مؤهلات فم الواد رهينة لصراعات سياسية وحسابات مرتبطة بتقاسم النفوذ.
واليوم، قد حان الوقت لوضع مصلحة المواطن فوق مصالح الباحثين عن مواقع النفوذ والاستفادة السياسية، فجماعة فم الواد الترابية ليست ملكاً للرئيس، ولا للأغلبية، ولا للمعارضة، ولا لأي تحالف سياسي. بل هي مؤسسة عمومية وجدت لخدمة المواطنين وتدبير شؤونهم المحلية لا لعرقلة مسارها التنموي بسبب خلافات بين مكوناتها.
ومن هذا المنطلق، فإن تحويل الجماعة إلى مجال للصراع حول المصالح والنفوذ، أو التعامل معها بمنطق “الغنيمة السياسية” إذ صح التعبير، يفرغ العمل الجماعي من جوهره ويحول المؤسسات المنتخبة إلى ساحات للصراع بدل أن تكون فضاءات لصناعة التنمية.
فمصلحة فم الواد تقتضي اليوم الانتقال من صراع الأشخاص إلى صراع المشاريع، ومن حسابات الرئاسة إلى سؤال الحصيلة، ومن منطق التحالفات المؤقتة إلى رؤية تنموية واضحة تضع فم الواد في مسار التنمية لا في زواية العرقلة.
وفي ظل ما تعرفه الجماعة من تجاذبات سياسية و عرقلة لدوراتها، وجب اليوم فرض رقابة مؤسساتية على سير المجلس، وعلى تنفيذ مقرراته، وعلى الاتفاقيات التي يبرمها، وعلى كيفية تدبير ميزانيته وموارده، بما يضمن احترام القانون وحماية المال العام وربط المسؤولية بالمحاسبة… والرقابة هنا ليست استهدافاً لأي طرف سياسي أو تشكيك في نزاهة مكوناتها، وإنما هي آلية مؤسساتية طبيعية لضمان حسن سير المرفق العام، خصوصاً عندما يؤدي الخلاف السياسي إلى تعطيل اجتماعات المجلس أو عرقلة مصالح المواطنين… والمطلوب هو أن تظل المؤسسات فوق الحسابات السياسية، وأن تكون القوانين والضوابط هي المرجع في تدبير الشأن المحلي.
فم الواد يحتاج اليوم إلى من ينظر إليه كجماعة لها مستقبل اقتصادي وسياحي، لا ككرسي سياسي، فم الواد يحتاج إلى رؤية تجعل من موقعه الساحلي فرصة، ومن قربه من العيون رافعة للاستثمار، ومن مؤهلاته الطبيعية أساساً لتنمية سياحية حقيقية، ومن شبابه طاقة اقتصادية واجتماعية، ومن المجلس المنتخب مؤسسة تعمل باستمرار لخدمة المواطنين.
أما الاستمرار في الأساليب التي تعرقل دورات المجلس وتجمّد عمل المؤسسة بسبب صراعات سياسية وشخصية، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من تعطيل التنمية وتأخير مصالح الساكنة.
لقد حان الوقت للقطع مع الأساليب الصبيانية في تدبير الخلاف السياسي، والانتقال إلى ممارسة مؤسساتية تحترم القانون وتضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
ففم الواد ليست غنيمة يتنازع عليها المتنافسون، وليست ملكية سياسية يتداولها أصحاب المصالح. إنها جماعة لها ساكنة تنتظر التنمية، ولها مؤهلات تنتظر الاستثمار، ولها شباب ينتظر الفرص.



















عذراً التعليقات مغلقة