نخب الصحراء – مدير النشر / كريم تكنزا
تستوقف مدينة العيون اليوم، كل من وطئت قدماه ترابها بهندستها المعمارية المتناسقة وشوارعها الواسعة التي تضاهي كبريات الحواضر، غير أن هذا المشهد العمراني البهي، الذي يبدو للوهلة الأولى مكتمل الملامح، يخفي وراءه واقعاً اجتماعياً ومؤسساتياً بات يثير كثيراً من التساؤلات… فبينما كان يُفترض أن يواكب هذا التحول الحضري انفتاح إداري وتواصل مؤسساتي يليق بحجم العمران، تجد الساكنة نفسها اليوم أمام حالة من الركود في المبادرات واللقاءات التي كانت في الأمس القريب تشكل روح المدينة ومتنفسها التشاركي.
المتتبع لمسار تدبير الشأن المحلي بالمدينة اليوم لا يسعه إلا أن يعقد مقارنة تلقائية بين الحاضر الممل والماضي الجميل، حيث يعود الحنين إلى فترات ولات سابقين بصموا حضورهم في الذاكرة سكان مدينة العيون بجل فعالياتها ومؤسساها، مثل الخليل الدخيل وبوشعاب وجلموس… تلك الأسماء التي لم تكن مجرد مواقع داخل الهرم إداري للمؤسسة الترابية، بل كانت تمثل نموذجاً لسياسة القرب والإنصات المباشر لنبض الشارع العيوني، فقد اتسمت تلك المرحلة بحركية ميدانية لافتة، قوامها التواصل الدائم مع الفاعلين المحليين والإنصات لانشغالات المواطنين، مما جعل ساكنة العيون تشتاق لحنين المؤسسة الترابية الماضية التي بصمت آنذاك حضورها في الميدان من خلال وقوفها الدائم على المبادرات المدنية وتغذية دينامية المدينة الاجتماعية.
أما اليوم، فتبدو المؤسسة الترابية في نظر كثير من الفعاليات المدنية والساكنة وكأنها دخلت مرحلة من الصمت المؤسساتي المقلق، حيث أصبحت لغة الحوار والتفاعل شبه غائبة، وتحولت اللقاءات التي كانت في السابق جزءاً من الحياة العامة إلى استثناء نادر. ورغم أن المقاربة الحالية نجحت إلى حد ما في فرض هدوء ميداني ملحوظ، إلا أن التدبير الناجع لا يُقاس فقط بمدى القدرة على ضبط الشارع، بل بمدى القدرة على بناء جسور الثقة وإحياء روح الانفتاح المؤسساتي.
وقد أدى هذا الانكماش في التواصل إلى حالة من التذمر وعدم الرضى لدى جزء من الساكنة، التي ترى أن تدبير الزمن التنموي للمدينة لم يعد يواكب طموحاتها. فضعف التواصل المؤسساتي لا ينعكس فقط على مستوى العلاقة بين الإدارة والمجتمع، بل يمتد أثره إلى المجال الاقتصادي، حيث تضيع فرص عديدة كان من الممكن أن تفتح آفاقاً جديدة للتنمية المحلية، خصوصاً في ما يتعلق بخلق فرص الشغل لفائدة الشباب. وفي ظل هذه الأجواء، يشتكي العديد من الفاعلين من ركود اقتصادي نسبي يطال بعض الأنشطة التجارية، مما يجعل المدينة تبدو أقل حركية مقارنة بمدن أخرى تعرف دينامية استثمارية وسياحية متنامية.
وإذا كانت التنمية لا تختزل فقط في البنيات التحتية والمشاريع العمرانية، فإنها أيضاً ترتبط بقدرة المؤسسات على تحفيز الاستثمار وتنشيط المجال الترابي عبر مقاربات تواصلية حديثة تخلق الثقة لدى الفاعلين الاقتصاديين. غير أن المقاربات التقليدية في تدبير الشأن العام لم تعد قادرة اليوم على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، خاصة في ظل التوجهات الاستراتيجية الكبرى التي تسعى إلى جعل مختلف جهات المملكة تسير بنفس الوتيرة التنموية.
فالمغرب الذي يتحدث اليوم عن تسريع وثيرة الاستثمار وتعزيز جاذبية المدن لا يمكن أن ينجح إلا عبر إدارة ترابية منفتحة وقادرة على مواكبة هذه الدينامية. وهو ما يجعل العديد من المتتبعين يطرحون تساؤلات مشروعة حول موقع مدينة العيون داخل هذه المعادلة، خاصة وأن مدناً أخرى استطاعت في السنوات الأخيرة أن تخلق حركية سياحية واستثمارية بفضل مقاربات جديدة تقوم على التواصل والانفتاح والشراكة مع مختلف الفاعلين.
وهكذا تبدو العيون اليوم مدينة متألقة في مظهرها العمراني، لكنها في العمق في حاجة ماسة إلى استعادة تلك الروح التي طبعت مراحل سابقة من تدبير الشأن المحلي، حين كانت المؤسسة الترابية فضاءً حقيقياً للتفاعل والإنصات ومواكبة تطلعات الساكنة… فالمسؤول الترابي لا يُنتظر منه أن يكون مجرد مدير إداري خلف أبواب موصدة، بل فاعلاً ميدانياً وشريكاً فعلياً في الهم اليومي للمدينة وساكنتها، وصانعاً لجسور الثقة بين الدولة والمجتمع.
وبين عمران متألق وصمت مؤسساتي يثقل المشهد، يظل السؤال معلقاً في أذهان الكثيرين، متى تستعيد العيون روحها التشاركية التي صنعت جزءاً من هويتها؟ وهل يحمل المستقبل عودة تلك الدينامية في ثوب جديد يفتح آفاق الاستثمار والتنمية أمام المدينة وشبابها ؟ أم أن العيون ستظل رهينة مقاربات تقليدية لم تعد قادرة على مواكبة إيقاع مغرب يتسارع بخطى واثقة نحو المستقبل؟




















عذراً التعليقات مغلقة