نخب الصحراء – مقال الرأي
منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة، لم يعرف المشهد السياسي بمدن الصحراء المغربية تحوّلًا نوعيًا يُذكر، بل ظل حبيس تدوير نفس الأسماء والوجوه التي تتناوب على تدبير الشأن العام المحلي. هذا الإستمرار الطويل لنفس النخب لم يُترجم، على أرض الواقع، إلى تحسن ملموس في الوضع الاقتصادي أو الإجتماعي للمواطن، ما يطرح أكثر من علامة إستفهام حول جدوى هذا النموذج في التسيير.
ورغم الموارد المالية المهمة التي رُصدت للمدن من طرف السلطات المركزية بالرباط، فإن أثرها ظل محدودًا على مستوى الرفاه الإجتماعي. فلا البطالة تراجعت بشكل ملحوظ، ولا فرص الشغل النوعية أصبحت متاحة بما يكفي لإمتصاص طموحات الشباب، ولا المشاريع التنموية استطاعت أن تُحدث نقلة حقيقية في حياة الساكنة. وهو ما يعكس، في نظر العديد من المتتبعين، إختلالًا في طريقة تدبير هذه الإمكانيات، وغياب رؤية تنموية فعالة ومستدامة.
في المقابل، تستمر نفس العائلات التقليدية في الترشح من جديد، وكأن شيئًا لم يتغير، دون تقديم حصيلة تُقنع الرأي العام أو مبادرات تُظهر إلتزامًا فعليًا بخدمة الصالح العام. بل إن الإنتقادات تتزايد حول إستفادة بعض هذه النخب من مواقعها السياسية في مراكمة الثروات وإنجاز مشاريع خاصة ذات طابع محدود الأثر، لا تساهم في خلق فرص الشغل الحقيقية، ولا في تحريك عجلة الإقتصاد المحلي بشكل شامل.
هذا الواقع يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين السياسة والمصلحة العامة، حيث تتحول المسؤولية الإنتخابية، في بعض الحالات، إلى وسيلة لتحقيق أهداف خاصة بدل أن تكون أداة لخدمة المواطنين. كما يعيد إلى الواجهة سؤال المساءلة والمحاسبة، ومدى قدرة الآليات الحالية على تقييم أداء المنتخبين وربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل فعلي.
وأمام هذا الوضع، يبرز تساؤل جوهري : هل ستعرف مدن الصحراء، تحولًا حقيقيًا من منطق التدبير التقليدي إلى منطق التغيير الفعلي، كما جاء في الخطاب الملكي؟ أم أن نفس البنية السياسية العائلية ستستمر في إعادة إنتاج ذاتها، مع ما يحمله ذلك من إستمرار لحالة الجمود؟
والرهان اليوم لا يتعلق فقط بتجديد الوجوه، بل بتجديد الرؤية والمنهج، وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على تقديم بدائل واقعية ومبتكرة. كما أن تعزيز دور المواطن في الإختيار الواعي، وتكريس ثقافة المساءلة، يظلان عنصرين حاسمين في أي مسار نحو التغيير.
في النهاية، تبقى جهات الصحراء، بكل مؤهلاتها وإمكاناتها، أمام مفترق طرق، إما الإستمرار في نفس الحلقة المغلقة، أو الإنخراط في دينامية جديدة تضع مصلحة المواطن فوق كل إعتبار، وتترجم الوعود إلى واقع ملموس يشعر به الجميع.



















عذراً التعليقات مغلقة