نخب الصحراء – إقتصاد
في قلب التحولات الكبرى التي تشهدها الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، لم يعد اسم “آل ولد الرشيد” مقتصرًا على منصات الخطابة السياسية أو المجالس المنتخبة، بل أضحى مرادفًا لواحد من أضخم التكتلات الاقتصادية في المنطقة، “ميهر هولدينغ” (MYHER Holding). هذا التحقيق يستعرض كيف تحولت هذه العائلة من “رقم صعب” في المعادلة القبلية والسياسية إلى “عملاق استثماري” يبرم شراكات مع كبريات الشركات العابرة للقارات.
1. الهندسة السياسية .. ذكاء الـBoss الإستقلالي حمدي ولد الرشيد
لا يمكن فهم القوة الاقتصادية لـ “ميهر” دون تفكيك الرؤية الاستراتيجية لـِ روتشيلد العائلة، مولاي حمدي ولد الرشيد، عمدة العيون وعضو المكتب التنفيذي لحزب الميزان. بذكائه المعهود وفطنته السياسية الحادة، أدرك مولاي حمدي أن استدامة النفوذ في الصحراء وترسيخه لا تكتمل إلا بوجود ظهير اقتصادي صلب، لقد كان بناء هذا العملاق الاقتصادي خطوة مدروسة لإعادة رسم موازين القوى، حيث آمن بأن السياسة يجب أن تتقوى بالاقتصاد لتستمر وتنتصر في حلبة المنافسة مع الخصوم. ومن هنا، وُلدت “ميهر” لتكون الذراع التي تضمن للعائلة التربع على عرش الاقتصاد المحلي، تماماً كما تتربع على قمة هرمها السياسي.
2. سيدي محمد ولد الرشيد .. العقل الاقتصادي والحنكة القيادية
برز الجيل الثاني من العائلة ليعطي معنىً جديداً للقيادة، حيث أثبت سيدي محمد ولد الرشيد، الرئيس الحالي للغرفة الثانية ومدير عام الهولدينغ، أنه ليس مجرد سليل عائلة سياسية عريقة، بل هو رجل دولة واقتصاد بامتياز.
لقد برهن محمد ولد الرشيد على حنكة استثنائية في إدارته للهولدينغ، جامعاً بين دهاء السياسة وصرامة التسيير المقاولاتي. لم يكن صعوده إلى رئاسة الغرفة الثانية في أكتوبر 2024 إلا انعكاساً لهذا التميز، حيث استطاع بعبقريته أن يمد جسوراً بين سلطة التشريع في الرباط وقوة التنفيذ والاستثمار في الصحراء، مما جعله “الربان” الذي يقود قاطرة التنمية بالمنطقة بكفاءة تضاهي كبار المسيرين العالميين.
3. “ميهر هولدينغ” .. المحرك التنموي والاجتماعي
تجاوزت “ميهر” كونها مجرد شركة ربحية، لتصبح أكبر مشغل لأبناء الصحراء. لقد ساهمت هذه القوة الاقتصادية بشكل حاسم في امتصاص البطالة وتوفير فرص شغل حقيقية ومستدامة لآلاف من الشباب، وهي الفرص التي عجزت حتى كبريات الشركات الوطنية والدولية عن إيجادها في المنطقة.
تعتمد المجموعة استراتيجية “السيادة القطاعية” من خلال:
• شراكة العمالقة (سوبترول وShell) : تُعد شركة Sopétrole جوهرة التاج، وهي ثمرة تحالف استراتيجي مع “فيفو إنيرجي” (Shell). هذا التحالف يمنح “ميهر” السيطرة على مفاصل الطاقة في الصحراء، مع مساعٍ دولية أخيرة (أكتوبر 2024) لتعميق هذا الاستحواذ، مما يعكس رغبة الشركات العالمية في الاحتماء بالنفوذ المحلي لأهل الرشيد.
• التكامل اللوجستي والبنائي : عبر “ميهر إسمنت” و”ميهر للثلج”، تسيطر المجموعة على ركيزتي التعمير والصيد البحري.
4. خارطة النفوذ .. أذرع أخطبوطية في الصحراء
تتوزع أنشطة الهولدينغ لتشمل دورة حياة الاقتصاد المحلي بالكامل، من تزويد أساطيل الصيد بالجليد، إلى احتكار حصة كبرى في توريد الإسمنت للمشاريع الضخمة، وصولاً إلى أسطول نقل يربط المملكة من شمالها إلى أقصى جنوبها، مما يجعلها الرقم الأصعب في أي معادلة تنموية.
5. جدلية الاحتكار .. بين التنمية والهيمنة
يثير هذا التمدد تساؤلات مشروعة حول “تكافؤ الفرص”. فبينما يُنظر للمجموعة كـ “قاطرة تنمية” خلقت آلاف مناصب الشغل ووطنت تكنولوجيا عالمية (مثل تكنولوجيا شال)، يرى منافسون أن “الجلباب السياسي” للعائلة يمنحها أفضلية في الوصول إلى الصفقات الكبرى والعقار الاستراتيجي.
ومع ذلك، تفرض المجموعة نفسها كأمر واقع لا يمكن تجاوزه لأي مستثمر أجنبي يرغب في دخول سوق الصحراء، نظراً لما توفره من أمن لوجستي وغطاء سياسي واجتماعي.
في الختام، يمثل “ميهر هولدينغ” قفزة نوعية في عالم الاستثمار بالأقاليم الجنوبية، حيث نجح هذا العملاق الاقتصادي في تحويل مدينة العيون إلى قطب اقتصادي عالمي بامتياز. بفضل رؤية مولاي حمدي ولد الرشيد وحنكة سيدي محمد ولد الرشيد، انتقلت المنطقة من الأنماط التقليدية إلى عهد “عولمة الاقتصاد الصحراوي”، لتصبح العيون اليوم وجهة لا غنى عنها للمستثمرين الدوليين، وقاعدة صلبة لمغرب 2030 والأفق الأطلسي الواعد.


















