نخب الصحراء – أخبار
حين نتحدث عن جبروت فنحن هنا لا نقصد حبروت الذي زعزع عروش عدد من السياسيين والنافذين، بل نتحدث عن جبروت السيبة وجبروت التجرؤ على المال العام، اما جبروت المعروف لا يستطيع أن يخترق نظام جماعة امليلي ليس لأنها محصنة بل لأنها أصلا لا تملك نظام، بل لا تملك حتى بنية تحتية تصون كرامة الصيادين بها، كما أن جبروت يستهدف فقط أذكياء الفساد الذين يتفننون في إخفاء التقارير والأدلة بكل الطرق الذكية… أما جماعة إمليلي فهي وفرت عليه عناء البحث، فالساهرين على جماعة إمليلي باتو خارج نظام المحاسبة بل وتيقنو أشد اليقين أن المحاسبة ماهي إلا شعار فضفاض لا وجود له اصلا على أرض الواقع، الشيء الذي جعلها تتمدى في تضخيم الميزانيات وكأنها جماعة تتموقع على أرض اروبية.
تكشف الوثائق توصلت بها “صحفية نخب الصحراء” والمرتبطة بمشروع ميزانية جماعة امليلي برسم سنة 2026 عن معطيات صادمة تطرح أكثر من سؤال حول طريقة تدبير المال العام داخل هذه الجماعة الترابية القروية. اللافت في هذه الميزانية هو استمرار نفس العقلية التدبيرية القائمة على تضخيم بعض النفقات بشكل يثير الإستغراب، خاصة في أبواب ترتبط بالمحروقات، وصيانة الآليات، واللوازم التقنية، والإيواء والاستقبال، وكأن الجماعة تدبر مؤسسة ضخمة ذات نشاط استثنائي، لا جماعة قروية محدودة الإمكانيات والاختصاصات.
فالباب رقم 41 المتعلق بـ”شراء الوقود والزيوت” رُصد له مبلغ يصل إلى 700 ألف درهم، وهو رقم يبدو مبالغا فيه بشكل واضح مقارنة بطبيعة الجماعة وحجم نشاطها الإداري والخدماتي. هذا الرقم يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طرق صرف هذه الاعتمادات، وآليات مراقبة استهلاك الوقود، وعدد الآليات والسيارات المستفيدة فعليا من هذه النفقات.

أما الباب رقم 42 الخاص بـ”اقتناء العجلات المطاطية للسيارات والآليات”، فقد خصصت له الجماعة 300 ألف درهم، في مشهد يعكس استمرار منطق النفخ المالي في أبواب تعرف تقليديا صعوبة في التتبع والمراقبة الدقيقة. فهل فعلا تحتاج جماعة امليلي إلى كل هذه المصاريف المتعلقة بالعجلات والإطارات؟ أم أن الأمر يتعلق بباب مفتوح لتضخيم الفواتير وتمرير نفقات يصعب التحقق من ضرورتها الحقيقية؟
ويأتي الباب رقم 43 المرتبط بـ”صيانة وإصلاح السيارات والآليات” ليواصل نفس المنحى، بغلاف مالي يصل إلى 200 ألف درهم، دون وجود أي معطيات واضحة للرأي العام حول حالة هذه الآليات، أو تقارير تقنية تبرر حجم هذه المصاريف المتكررة سنويا.
كما يثير الباب رقم 32 المتعلق بـ”اللوازم التقنية والمعلوماتية” الكثير من علامات الاستفهام، بعدما تم تخصيص 160 ألف درهم له، في وقت لا يلمس فيه المواطن أي تحول رقمي حقيقي أو تحديث فعلي للخدمات الإدارية بالجماعة. وهو ما يجعل السؤال مطروحا حول مآل هذه الاعتمادات، ومدى انعكاسها الفعلي على تحسين المرفق العمومي.
ولعل أكثر الأبواب إثارة للجدل داخل هذه الميزانية، ذلك المرتبط بـ”الإيواء والاستقبال”، الذي يعرف بدوره تضخيما لافتا، في وقت يفترض فيه أن تُوجه الأولوية إلى مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية بدل الإنفاق على الولائم والاستقبالات والتنقلات والضيافة. هذا الباب تحول لدى عدد من الجماعات إلى واجهة لصرف أموال عمومية تحت مبررات فضفاضة يصعب مراقبتها بدقة.
الأمر نفسه ينطبق على باب دعم الجمعيات، الذي يظل من أكثر الملفات حساسية داخل تدبير الشأن المحلي، خاصة في ظل غياب معايير واضحة وشفافة للاستفادة، وتحول بعض الجمعيات إلى أدوات انتخابية موسمية أو امتدادات غير مباشرة لمصالح سياسية وانتخابوية. فالدعم العمومي يجب أن يكون موجها لمشاريع ذات أثر اجتماعي وتنموي حقيقي، لا وسيلة لتوزيع الريع وصناعة الولاءات.
وفي ظل هذا العبث المتكرر، يبدو واضحا أن السبب الحقيقي وراء استمرار مثل هذه السلوكات ليس فقط تضخيم بعض الأبواب المالية، بل غياب رقابة صارمة وفعالة قادرة على وضع حد لهذا النزيف المستمر للمال العام. فغياب المحاسبة الجدية، وتتحول الملاحظات والانتقادات إلى مجرد أصوات معزولة داخل الدورات، فمن الطبيعي أن يصبح تكرار نفس السيناريوهات كل سنة، بنفس الأرقام ونفس العقليات ونفس طرق التدبير التي لا ترى في الميزانية سوى وسيلة لتوسيع هامش الصرف لا لخدمة التنمية الحقيقية.
ورغم المجهودات التي تبذلها بعض أصوات المعارضة داخل المجلس، ومحاولاتها المتكررة لطرح الأسئلة وكشف الاختلالات والتنبيه إلى خطورة تضخيم النفقات، إلا أن تلك التحذيرات غالبا ما تذهب مهب الريح أمام منطق الأغلبية والتصويت العددي، في مشهد يعكس هشاشة الرقابة الداخلية وعجزها عن إيقاف هذا العبث المالي والإداري.
الأكثر إثارة للاستغراب أن جماعة قروية مثل امليلي، ذات الكثافة السكانية المحدودة، لا تبدو في حاجة إلى كل هذه الميزانيات الضخمة والنفقات المتناسلة في أبواب الوقود والصيانة والاستقبال والدعم، خاصة وأن أغلب ساكنتها يقيمون بمدينة الداخلة، بما في ذلك رئيس الجماعة وعدد من أعضائها، ما يطرح تساؤلات عميقة حول جدوى هذه الاعتمادات وحقيقة الأولويات التنموية داخل الجماعة.
هذا العبث الروتين بات يطرحنا أمام أسئلة مشروعة : أين تذهب الأموال؟ ومن المستفيد الحقيقي من هذا الإنفاق المتضخم؟… وبين الأرقام المعلنة والواقع المعيشي، تبقى الحقيقة الكاملة أكبر بكثير مما يظهر في الوثائق… وما خفي كان أعظم.




















عذراً التعليقات مغلقة