سؤال أين الثروة ؟ .. الصحراء في صدارة البطالة والنخب في صدارة الثراء .. من يسرق حلم التنمية ؟

12 مايو 2026
سؤال أين الثروة ؟ .. الصحراء في صدارة البطالة والنخب في صدارة الثراء .. من يسرق حلم التنمية ؟

نخب الصحراء – كريم تكنزا / مدير النشر

بينما تتحدث الأرقام الرسمية عن طفرة تنموية ونماذج اقتصادية رائدة في الأقاليم الجنوبية، تصطدم هذه “البروباغندا” بواقع مرير يشي بوجود مساحة شاسعة بين عالمين متوازيين بالصحراء .. عالم النخب السياسية التي تزداد ثراءً فاحشاً، وعالم الساكنة التي تغرق في وحل الفقر والبطالة. مشهد سريالي بات يطرح تساؤلات عميقة حول طبيعة “الرقابة” في منطقة يبدو أن البعض حولها إلى “إقطاعيات” خاصة بعيداً عن أعين الدولة.

لم يعد سراً أن السياسة في الأقاليم الجنوبية أصبحت أقصر الطرق لتراكم الثروة. فالتقارير الرسمية والوثائق المسربة لم تعد تتحدث عن “تدبير الشأن المحلي”، بل عن “إمبراطوريات مالية” يشيدها منتخبون ونافذون، تجاوزت استثماراتهم حدود المنطق لتغزو بذلك عالم العبث.

السؤال المحير اليوم، كيف تحول هؤلاء السياسيين بالصحراء إلى رجل أعمال خارقين للعادة؟ وكيف تفوقت أرصدتهم على ارصدت كبار المستثمرين التقليديين؟  إنها حقاً المفارقة صادمة، ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يضع هؤلاء بوصلة التنمية لخدمة مدنهم، يبدو أن بوصلتهم معطلة ولا تشير إلا إلى مصالحهم الإقتصادية.

في مشهد يعكس قمة العبث، تتصدر جهة العيون الساقية الحمراء معدلات البطالة وطنيا، وهي المفارقة التي تدمي القلوب، فكيف لجهة تسبح فوق بحر من الخيرات وتستقطب ملايير الدراهم من الاستثمارات العمومية… أن تصبح جهةً مجمدة ويطرد شبابها نحو قوارب الموت بحثاً عن الكرامة؟

الجواب يكمن في “أين الثروة؟”. هذا السؤال الذي طرحه صاحب الجلالة والمهابة الملك محمد السادس في خطابه التاريخي، يجد صداه اليوم في شوارع مدينة العيون والحواضر كل الأقاليم الجنوبية، حيث الثروة تتركز في يد فئة قليلة “ممنهجة”، بينما يقتات السواد الأعظم من الساكنة على الفتات… استثمارات النخب لا تنعكس على سوق الشغل المحلي، بل هي استثمارات “أنانية” لا تخلق فرصاً بقدر ما تخلق نفوذاً.

فالاستياء الشعبي المتصاعد والذي بات يدق ناقوس الخطر كل يوم يضع مؤسسات الرقابة والمحاسبة أمام المساءلة. هل فقدت أجهزة الدولة قدرتها على لجم تغول هؤلاء النافذين؟  أم أن هؤلاء باتوا “لوبيات” أقوى من الدولة نفسها؟

فما يحدث اليوم بالصحراء هو “سيبة معلنة” يتحدى فيها الريع السياسي منطق المؤسسات وتوصيات الرباط. فبقاء الوضع على ما هو عليه، مع استمرار تصدّر السياسيين للمشهد الاقتصادي على حساب التنمية البشرية وهموم الساكنة، لا يهدد السلم الاجتماعي فحسب، بل ينسف كل المجهودات الوطنية الرامية إلى جعل الصحراء قطباً اقتصادياً قارياً.

فحين يختار الشاب الصحراوي ركوب أمواج الموت والمغامرة بحياته في قوارب الهجرة، فهو لا يهرب من الفقر وحده، بل يهرب من واقع يراه مليئاً بالظلم والريع واحتكار الثروة، ومن مشهد يومي يرى فيه خيرات مدنه تتحول إلى أرصدة ومشاريع تنتفخ بها جيوب نخب لا تشبع، بينما يُترك هو وحيداً في مواجهة البطالة واليأس والتهميش.

لقد آن الأوان لكسر هذه الحلقة المفرغة، لأن الصحراء اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الشعارات ولا إلى واجهات تنموية براقة، بل إلى عدالة حقيقية يشعر بها المواطن في معيشه اليومي، في فرصة شغل تحفظ كرامته، وفي مستقبل يمنحه الأمل بدل دفعه نحو المجهول. فاستمرار هذا العبث لن يقود إلا إلى احتقان اجتماعي خطير قد يبدد سنوات من المجهودات السياسية والدبلوماسية التي راكمتها الدولة المغربية في ملف الصحراء.

فما تبنيه الرباط من صورة قوية للمغرب في المحافل الدولية، قد يهدمه فساد بعض النافذين وجشعهم في الداخل. والتاريخ علّم الجميع أن أخطر التهديدات لا تأتي دائماً من الخارج، بل من أولئك الذين يحولون الوطن إلى غنيمة، والثروة إلى امتياز خاص، والتنمية إلى مسرحية لا يستفيد منها سوى المحظوظين.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة