نخب الصحراء – أخبار
في ما يشبه إعادة هندسة خفية للعقار العمومي على مقاس النافذين، تكشف وثائق رسمية مسربة من خلال ما بات يعرف بـ(جبروت) عن معطيات مثيرة حول طريقة تدبير الوعاء العقاري التابع للأملاك الخاصة للدولة بجهة العيون، حيث تظهر القرارات الإدارية وكأنها صيغت بعناية لخدمة مصالح سياسي نافذ بالمنطقة، مستفيداً من غطاء إداري صادر عن أعلى سلطة ترابية بالجهة.
الوثائق المسربة ترصد نمطاً متكرراً من عمليات التفويت بالتراضي، بعيداً عن أي منافسة حقيقية أو طلبات عروض تضمن تكافؤ الفرص والشفافية. ففي القرار رقم 2023-082ق، تم تفويت قطعة أرضية تمتد على مساحة 10 آلاف متر مربع بجماعة حوزة لفائدة شركة يمثلها هذا السياسي، بثمن لا يتجاوز 20 درهماً للمتر المربع، وهو رقم يثير الكثير من علامات الاستفهام بالنظر إلى القيمة الحقيقية للعقار بالمنطقة، وحجم الامتيازات التي تمنح تحت غطاء “تشجيع الاستثمار”.
ولا تقف خطورة الملف عند حدود الأثمان الزهيدة، بل تمتد إلى طبيعة المسار الإداري الذي تمر عبره هذه التفويتات، إذ تشير العقود الرسمية، من بينها العقد رقم 28-2024، إلى اعتماد مباشر على قرارات صادرة عن والي جهة العيون الساقية الحمراء، وهي القرارات التي تمنح الضوء الأخضر لمديرية أملاك الدولة للتنازل عن مساحات عقارية مهمة لفائدة شركات مرتبطة بنفس الاسم النافذ، من بينها قطعة أرضية أخرى تفوق مساحتها 3000 متر مربع مخصصة لإقامة محطة خدمات.
وتكشف الوثائق أيضاً أن المستفيد لا يتحرك بصفته الشخصية فقط، بل عبر شبكة شركات مترابطة، حيث تظهر محاضر الجموع العامة تركيزاً واضحاً للقرار داخل يد واحدة، مع تفويض شبه مطلق لهذا القطب للتوقيع والتصرف باسم الشركات أمام إدارة أملاك الدولة، بما يحول الاستثمار من مبادرة اقتصادية إلى منظومة نفوذ مغلقة.
الأكثر إثارة في هذه الملفات السوادء المسربة هو السرعة التي تنتقل بها هذه العقارات من خانة “الاستثمار العمومي” إلى دائرة المضاربة وإعادة البيع داخل السوق الخاص، إذ تكشف وثائق أخرى، من بينها العقد رقم 464-2024، عمليات بيع تشمل محطات خدمات ومبانٍ كاملة لفائدة شركات مساهمة، في دورة تبدأ بتفويت إداري بثمن رمزي وتنتهي بتحقيق أرباح ضخمة بعيداً عن أي أثر تنموي واضح على أرض الواقع.
هذه المعطيات تعيد إلى الواجهة أسئلة ثقيلة حول دور المؤسسات الرقابية، وحدود السلطة التقديرية في تدبير العقار العمومي، كما تضع الجهات الوصية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص. ففي الوقت الذي سجلت فيه جهة العيون أعلى معدلات البطالة بنسبة 20%، تستحوذ اقليات سياسية نافذة بمباركة المؤسسات الترابية على عقارات بأثمنة بخسة مما يجعلنا أمام لوبيات النفوذ والمال وليس مسؤولين التدبير.
وإذا كانت الدولة ترفع شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن ما كشفته وثائق جبروت يطرح سؤالاً أكبر : هل تحوّل العقار العمومي بالعيون إلى غنيمة سياسية واقتصادية توزع في دوائر مغلقة؟ أم أن زمن الإفلات من المساءلة ما يزال أقوى من كل شعارات الحكامة والشفافية؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت هذه الملفات ستقود إلى فتح تحقيق حقيقي، أم ستلتحق بدورها بأرشيف الصمت الكبير. وسيستمر مسلسل الريع ينهش في ثروات الصحراء وعقاراتها دون حسيب ولا رقيب.

















عذراً التعليقات مغلقة