نخب الصحراء – إقتصاد
كشفت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط عن واقع مقلق بجهة العيون الساقية الحمراء، بعدما تصدرت قائمة الجهات من حيث معدلات البطالة بنسبة بلغت 20,3 في المائة. رقم لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام لتدبير الشأن المحلي، ولا عن حصيلة سنوات طويلة من السياسات التي لم تنجح في تحويل الإمكانيات المتاحة إلى فرص حقيقية للشغل والتنمية.
هذا الوضع يطرح بإلحاح إشكالية الخلط القائم في خطاب عدد من المنتخبين بين مفاهيم أساسية. فالتهيئة المجالية، رغم أهميتها، تظل مجرد أداة لتنظيم المجال وتوفير البنيات التحتية. لكنها لا تعني بالضرورة تحقيق التنمية. في المقابل، تشكل التنمية الترابية جوهر العمل السياسي المحلي، إذ ترتبط بقدرة المنتخبين على خلق دينامية اقتصادية وإستقطاب الإستثمار وتثمين المؤهلات الطبيعية والبشرية للجهة. أما التنمية البشرية، فهي المعيار الحقيقي لنجاح هذه السياسات، لأنها تنعكس مباشرة على مستوى عيش المواطنين وفرص إدماجهم في سوق الشغل.
غير أن ما يكشفه واقع الجهة هو عجز واضح في الإنتقال من منطق التهيئة إلى منطق التنمية. فخلق فرص الشغل اليوم لم يعد رهينًا بالمقاربات التقليدية، بل يتطلب رؤية مبتكرة، قائمة على الترويج الترابي الذكي، وإستثمار الموقع الجغرافي، والإنفتاح على قطاعات واعدة. وهو ما يستدعي كفاءات سياسية قادرة على التفكير خارج القوالب الجاهزة، وليس الإكتفاء بإعادة إنتاج نفس البرامج والشعارات الفاشلة.
المفارقة الكبرى أن نفس العائلات البورجوازية والأسماء الريعية التي ظلت تدبر الشأن المحلي لعقود، تعود اليوم لتعبّر عن قلقها إزاء تفاقم البطالة، وكأنها لم تكن جزءًا من صناعة هذا الواقع. بل إن هذه النخب نفسها تستعد للعودة مجددًا في كل محطة إنتخابية، حاملة خطابًا متجاوزًا، يعيد تدوير الوعود دون تقديم حصيلة فعلية تقنع المواطنين.
فإستمرار إحتكار القرار السياسي والإقتصادي والمدني من طرف نفس الدوائر، لا يؤدي سوى إلى تكريس الركود التجاري وتعميق الأزمة الإجتماعية . فحين تغيب المنافسة الحقيقية، وتُغلق أبواب التداول الديمقراطي، يصبح الفشل نتيجة طبيعية، وتتحول التنمية إلى مجرد شعار يُرفع دون أثر ملموس.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بعد صدور هذه الأرقام، هو: هل نحن أمام لحظة مراجعة حقيقية، أم مجرد حلقة جديدة في مسلسل يتكرر كل موسم إنتخابي؟ هل ستدفع هذه المؤشرات النخب المحلية إلى إعادة التفكير في أساليب تدبيرها، أم أن نفس الوجوه ستعود مرة أخرى بنفس الخطاب، دون حرج، لتكريس نفس النتائج؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بتشخيص الأزمة، بل بإمتلاك الجرأة على تغيير قواعد اللعبة. لأن كلفة الإستمرار في نفس النهج لن تُقاس بالأرقام فقط، بل بمستقبل جيل كامل من الشباب يجد نفسه خارج معادلة التنمية.



















عذراً التعليقات مغلقة