نخب الصحراء – مقال
في المفارقة جد غريبة تعيشها الأقاليم الصحراية بالمملكة اليوم، تعد من بين أكثر القضايا إثارة للجدل في المشهد الاقتصادي الوطني، ففي الوقت الذي تتحول فيه حواضر الصحراء إلى أقطاب جاذبة للاستثمارات الدولية والوطنية، وتزخر بمؤهلات بحرية وفلاحية وعقارية هائلة، لا يزال صدى المقولة الشعبية ( فلوس اللبن يديهم زعطوط ) تتردد في كل الأفق، كاشفةً بذلك عن هوة خطيرة بين حجم الثروات المتاحة وبين واقع الركود الاقتصادي والبطالة المتنامية التي تخنق طموحات الشاب الصحراوي. هذا الوضع يضعنا أمام سؤال عميق يتجاوز حدود الاقتصاد ليلامس عمق الحكامة : أين تذهب ثروات الصحراء، ولماذا لا يجد أثرها مكاناً في جيوب أبنائها ودينامية أسواقها المحلية ؟
فالمتأمل اليوم في المشهد العمراني والتنموي بجل مدن الصحراء، يدرك بلا شك حجم المجهودات الجبارة التي بذلتها الرباط عبر النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وهو المشروع الطموح الذي أطلقه صاحب الرؤية السديدة جلالة الملك محمد السادس، جعلت من البنية التحتية في الصحراء تضاهي، بل وتتفوق أحياناً، على نظيرتها في كبريات مدن الشمال. لكن هذه “الطفرة الهيكلية” التي تقودها الدولة تصطدم بـ جانب مظلم يتمثل في سلوك الرأسمال الخاص، حيث يبدو أن أغلب الاستثمارات المحلية، وحتى تلك الوافدة من رجال أعمال الشمال، تتعامل مع المنطقة كـ “منصة استخراجية” للربح السريع، دون أن يكون لها أدنى انعكاس على الدورة الاقتصادية المحلية أو خلق فرص شغل مستدامة تمتص غضب العاطلين والباحثين عن لقمة عيش.
تتجلى أزمة “نزيف الرساميل” في أبهى صورها حين نراقب الوجهة التي تسلكها أموال كبار المنعشين والسياسيين النافذين والمنتخبين في الصحراء… فبدلاً من إعادة تدوير تلك الثروات في مشاريع صناعية أو خدمية توطن التنمية داخل أقاليمهم، نجد ميلاً مرضياً نحو تهريب هذه الأموال باتجاه مدن الشمال كأكادير والرباط والدار البيضاء… هناك، تتحول “أرباح الجنوب” إلى عقارات فارهة، وشقق وفيلات فاخرة مخصصة للاستجمام أو الاستثمار الآمن بعيداً عن المنطقة التي كانت مصدراً لهذا الغنى الغير المبرر في الأساس ؟. هذا السلوك لا يمثل فقط طعنة في خاصرة الاقتصاد المحلي، بل يكرس نوعاً من “الاغتراب الاستثماري” الذي يجعل من النخبة المحلية مجرد وسيط يحصد الثروة من الصحراء ليغرس ثمارها في الشمال، تاركاً وراءه مدناً تعاني من فقر في السيولة وضعف في القدرة الشرائية.
فهذا التحليل المعمق للواقع الاقتصادي يكشف أن الأزمة ليست في وفرة الموارد، بل في “عقيدة الاستثمار” لدى أصحاب القرار والمال محلياً. واستمرار هذا النزيف المالي نحو مدن الشمال يفرغ المشاريع الملكية الكبرى من محتواها الاجتماعي، ويجعل من النمو الاقتصادي سوى أرقام صماء لا تترجم إلى رخاء ملموس ينعكس على من ساكنة الصحراء . ولعل الحل لن يتأتى إلا بفرض آليات تضمن “توطين الثروة” عبر تنزيل آليات الرقابة بشكل صارم، وحث النخب المحلية على تحمل مسؤوليتها الأخلاقية والوطنية تجاه مناطقها، لكي لا تبقى الصحراء مجرد بقرة حلوب يستفيد من لبنها “زعطوط” في مدن الشمال، بينما يعاني أهلها من العطش التنموي.



















عذراً التعليقات مغلقة