نخب الصحراء – مدير النشر
في عمق المشهد السوسيو-سياسي بالصحراء، ترتسم ملامح معادلة معقدة تتجاوز منطق الصناديق الانتخابية لتلامس جوهر السلطة وتجلياتها المادية. فالمتأمل في بنية النخب المحلية يدرك أننا أمام تحالف عضوي بين “المال والجاه”، حيث لم تعد السياسة مجرد ترف نضالي أو خدمة عمومية، بل تحولت إلى “ترسانة” استراتيجية لحماية المصالح الاقتصادية وتأمين الامتداد النفوذي.
هذا الزواج الكاثوليكي بين الثروة والمنصب أنتج طبقة “أوليغارشية” محلية استطاعت، بذكاء براغماتي، تحويل الرهانات السياسية الكبرى إلى دروع واقية لاستثماراتها في قطاعات الصيد والفلاحة والعقار. وقد استندت في ذلك إلى رمزية القبيلة كخزان انتخابي لا ينضب، ما جعل الفعل السياسي أداة لإعادة إنتاج النفوذ الاقتصادي والاجتماعي داخل المجال الصحراوي.
ومع تصاعد دعوات أعلى سلطة في البلاد إلى ضخ دماء جديدة وفتح المجال أمام الطاقات الشابة، يصطدم هذا الطموح التحديثي بجدار سميك من “المقاومة الصامتة” التي تبديها النخب التقليدية. وهي نخب أحكمت إغلاق منافذ الولوج إلى الحقل السياسي عبر احتكار التزكيات الحزبية، وتحويل الممارسة السياسية إلى ما يشبه الملكية العائلية التي تتوارثها الأجيال.
إن ما يفسره البعض كـ”عزوف” شبابي عن السياسة في الأقاليم الجنوبية، ليس في حقيقته زهداً في الشأن العام أو نقصاً في الوعي، بل هو موقف احتجاجي عقلاني ضد منظومة “الريع السياسي” التي أفرغت التنافس من محتواه الديمقراطي. فالشاب الصحراوي الطموح يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الانصهار في عباءة النخب التقليدية كـ”كومبارس” لتجميل صورة التوريث السياسي، أو الانكفاء بعيداً عن حلبة يرى أن قواعد اللعب فيها مفصلة على مقاس أصحاب الثروة والنفوذ القبلي.
هذا الإقصاء الممنهج، المغلف أحياناً بوجوه شابة تنتمي لنفس العائلات النافذة، يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى الإصلاحات السياسية إذا لم تقترن بإرادة حقيقية لفك الارتباط بين سلطة المال وصناعة القرار المحلي. فاستمرار هذا الوضع لا يهدد فقط حيوية الديمقراطية المحلية، بل يعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش، مما يجعل من تجديد النخب مجرد “شعار مؤجل” أمام سطوة “الأعيان الجدد” الذين جعلوا من السياسة حصناً منيعاً لا يقتحمه إلا من ملك مفاتيح الثروة أو حظي بمباركة “الآباء الروحيين” للمشهد السياسي بالصحراء.
كسر القيد : نحو “مانيفستو” قانوني لتحرير السياسة من قبضة المال
لا يكفي تشخيص حالة “الانسداد” التي يعيشها المشهد السياسي في الصحراء، بل أصبح من الضروري الانتقال إلى هندسة حلول جذرية تخرجنا من دوامة “التجديد الشكلي”. فجوهر الأزمة لا يكمن في غياب الكفاءات الشابة، بقدر ما يرتبط بطبيعة “النظام البيئي” السياسي الذي صُمم ليعيد إنتاج نفسه.
ولتفكيك هذه البنية “الأوليغارشية”، تبدو الحاجة ملحة إلى ثورة قانونية تبدأ بفك الارتباط العضوي بين الثروة والمنصب الانتخابي. وأولى الخطوات في هذا المسار تكمن في تفعيل صارم لمبدأ “تضارب المصالح”، إذ لا يستقيم أن يكون من يشرّع ويخطط للمجالات الترابية هو نفسه المستثمر الأول فيها.
إن وضع قيود قانونية تمنع الجمع بين رئاسة المجالس المنتخبة وتدبير صفقات عمومية كبرى في نفس النطاق الجغرافي، من شأنه أن يحول المنصب السياسي من “درع اقتصادي” إلى مسؤولية عمومية خاضعة للمساءلة.
وعلاوة على ذلك، يبرز قانون الأحزاب كحلقة ضعف ينبغي تقويتها. فديمقراطية التزكيات تمثل المدخل الحقيقي لأي تغيير سياسي، ولا ينبغي أن تبقى التزكية مجرد “صك” يمنحه الحزب المركزي لمن يملك المال أو النفوذ القبلي. والحل يكمن في فرض كوتات حقيقية للشباب والنساء داخل المراكز الثلاثة الأولى للوائح الانتخابية، مع ربط الدعم المالي العمومي للأحزاب بمدى قدرتها على تقديم وجوه جديدة من خارج الدوائر العائلية المهيمنة.
هذا الإجراء من شأنه أن يجبر الماكينات الحزبية على البحث عن “المناضل” بدل “الممول”، وأن يعيد الاعتبار للكفاءة الأكاديمية والميدانية كمعيار أساسي في صناعة النخب.
ومن جانب آخر، لا بد من عصرنة الرقابة المالية على الحملات الانتخابية. فالسقف القانوني للإنفاق غالباً ما يتم تجاوزه بطرق ملتوية تحت مسمى “التضامن القبلي”، وهو ما يقتل أي فرصة لشاب عصامي يمتلك برنامجاً سياسياً لكنه يفتقر إلى الموارد المالية الضخمة. لذلك، فإن رقمنة تتبع الإنفاق الانتخابي وإقرار عقوبات صارمة تصل إلى “العزل الفوري” في حال ثبوت استخدام المال السياسي، يمثلان الضمانة الحقيقية لترسيخ أخلاقيات المرفق العام


















عذراً التعليقات مغلقة