نخب الصحراء – قراءة
في الوقت الذي بدأت فيه الساحة السياسية بالعيون تستشعر اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، المزمع تنظيمها في 23 شتنبر المقبل، يلفت حمدي ولد الرشيد الأنظار من خلال سلسلة من اللقاءات والاتصالات المكثفة التي تجمعه بعدد من الفاعلين المحليين، من شيوخ القبائل ووجهاء المنطقة، إلى شخصيات ومرتبطين سابقاً بأحزاب سياسية أخرى.
هذه التحركات تطرح أكثر من علامة استفهام حول أهدافها وتوقيتها، خصوصاً أنها تأتي في مرحلة بدأت فيها مختلف القوى السياسية بإعادة ترتيب أوراقها استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
فهل يتعلق الأمر بتحرك انتخابي مباشر يمهد لخوض غمار الانتخابات التشريعية؟ أم أن الرجل يتعامل مع هذه المرحلة بمنظور أوسع، عنوانه الأساسي إعادة بناء القاعدة السياسية والانتخابية التي ستضمن له ولحزب الاستقلال استمرار الحضور القوي داخل المجالس المنتخبة محلياً وجهوياً؟
البرلمان .. معركة محسومة أم محطة ثانوية؟
من الصعب فصل هذه التحركات عن اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، خصوصاً أن حمدي ولد الرشيد يشغل حالياً منصب نائب برلماني عن إقليم العيون، غير أن قراءة المشهد من زاوية البرلمان وحده قد تكون قاصرة.
فالرجل راكم على مدى سنوات حضوراً سياسياً وانتخابياً قوياً داخل العيون، وهو ما يجعل دخوله غمار الانتخابات البرلمانية، وفق تقديرات عدد من المتابعين، أقل تعقيداً من المعارك السياسية الأخرى التي تنتظره.
ولهذا، يرى محللون أن أهمية التحركات الحالية قد لا تكمن بالضرورة في البحث عن مقعد برلماني جديد، بقدر ما ترتبط بالرهان الأكبر: من سيحافظ على زمام التحكم في الخريطة الانتخابية المحلية والجهوية خلال المرحلة المقبلة؟
من البرلمان إلى الجماعة والجهة .. المعركة الأهم
إذا كان المقعد البرلماني يمثل واجهة مهمة في المسار السياسي لحمدي ولد الرشيد، فإن جماعة العيون والمجلس الجهوي والمجلس الإقليمي وباقي المؤسسات المنتخبة تظل بالنسبة إلى الرجل وحزبه ساحات أكثر حساسية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بموازين القوى المحلية.
فحزب الاستقلال ظل لسنوات أحد أبرز الفاعلين في المشهد السياسي بالصحراء، وتمكن من الحفاظ على حضور قوي داخل عدد من المجالس المنتخبة، سواء على مستوى الجماعات أو الجهات أو الأقاليم، فضلاً عن الغرف المهنية.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة اللقاءات الأخيرة باعتبارها محاولة مبكرة لترصيص الصفوف، واستباق أي تحولات محتملة في الخريطة الانتخابية، خصوصاً في ظل بروز أسماء جديدة، وتحرك عدد من الفاعلين السياسيين، وانتقال شخصيات من حزب إلى آخر، وهي مؤشرات تجعل الحفاظ على التوازنات القديمة مهمة أكثر صعوبة.
هل يعيد ولد الرشيد بناء تحالفاته؟
اللافت في هذه التحركات هو تنوع الشخصيات التي تشملها اللقاءات، وهو ما قد يعكس رغبة في توسيع دائرة التواصل السياسي، وعدم الاكتفاء بالقواعد الحزبية التقليدية.
فالانتخابات المحلية لا تُحسم دائماً بالشعارات الحزبية وحدها، وإنما تتداخل فيها شبكات من العلاقات الاجتماعية والقبلية والانتخابية، فضلاً عن حضور الأعيان والوجهاء والفاعلين المحليين.
وبالتالي، فإن التواصل مع هذه الأطراف في هذه المرحلة يمكن أن يكون جزءاً من استراتيجية سياسية تستهدف ضمان استمرار النفوذ داخل الخريطة الانتخابية، خصوصاً أن أي تغيير في موازين القوى قد تكون له انعكاسات مباشرة على رئاسة الجماعة وعلى تركيبة المجالس المقبلة.
خصوم جدد .. وحسابات مختلفة
لكن المشهد الانتخابي المقبل لن يكون بالضرورة نسخة من الانتخابات السابقة.
فعدد من الأحزاب بدأ بدوره في إعادة ترتيب صفوفه، واستقطاب أسماء جديدة، فيما اختار بعض الفاعلين السياسيين مغادرة مواقعهم السابقة والالتحاق بتنظيمات أخرى، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تحالفات جديدة ويعيد تشكيل الخريطة الانتخابية.
وهنا تبرز أهمية التحركات التي يقوم بها حمدي ولد الرشيد، فإذا كان هدفها بالفعل الاستعداد للانتخابات الجماعية والجهوية، فإن الرجل يبدو وكأنه يتحرك مبكراً لتأمين خطوطه السياسية قبل أن تبدأ المنافسة الانتخابية في أخذ شكلها النهائي.
السؤال الحقيقي : من يربح معركة ما بعد البرلمان؟
المفارقة أن الانتخابات التشريعية قد تكون، في حسابات بعض الفاعلين، مجرد محطة ضمن معركة سياسية أكبر.
فالفوز بمقعد برلماني لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحكم في الخريطة المحلية، كما أن الحفاظ على رئاسة جماعة العيون أو النفوذ داخل الجهة يحتاج إلى بناء تحالفات انتخابية واسعة ومتجددة.
ومن هنا، فإن لقاءات حمدي ولد الرشيد قد تكون رسالة سياسية أكثر منها حملة انتخابية مباشرة: رسالة مفادها أن الرجل لا ينتظر موعد الاقتراع لكي يبدأ التحرك، وإنما يعمل منذ الآن على ضمان استمرار شبكة التحالفات والولاءات التي شكلت، لسنوات، أحد عناصر قوته السياسية.
في نهاية المطاف، قد يكون من المبكر الجزم بأن لقاءات حمدي ولد الرشيد تمثل استعداداً مباشراً للانتخابات التشريعية، كما قد يكون اختزالها في مجرد تحركات انتخابية أمراً غير دقيق.
الأقرب أن الرجل ينظر إلى الاستحقاقات المقبلة باعتبارها معركة متكاملة على النفوذ السياسي، تبدأ من البرلمان لكنها لا تنتهي عنده، وتمتد أساساً إلى جماعة العيون والجهة وباقي المجالس المنتخبة.
فإذا كان المقعد البرلماني، وفق حسابات الكثير من المتابعين، يبدو أقل تعقيداً بالنسبة إلى الرجل، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الحفاظ على الموقع الذي جعل منه أحد أبرز صانعي الخريطة السياسية بالعيون.
وبين لقاء هنا واتصال هناك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحرك حمدي ولد الرشيد لتأمين مقعد برلماني جديد، أم أنه يستعد لمعركة أكبر بكثير عنوانها الحفاظ على عرش نفوذه وإبقاء حزب الاستقلال في موقع الصدارة داخل المجالس المنتخبة؟
الإجابة لن تقدمها اللقاءات وحدها، وإنما ستكشفها تدريجياً طبيعة التحالفات والأسماء واللوائح التي ستظهر مع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية.



















عذراً التعليقات مغلقة