نخب الصحراء : كريم تكنزا | مدير النشر
في لقاء حزبي احتضنه بيت ماء العينين بوكرن، عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال وأحد رموزه بمدينة الداخلة، حملت كلمة مبارك حمية، الوافد الجديد إلى صفوف الحزب، دلالات سياسية وتنظيمية لافتة، بعدما أعاد في مداخلته استحضار اسم حمدي ولد الرشيد بصفته “منسق الجهات الجنوبية الثلاث”.
وهي صفة لم تكن مجرد كلمة في حديث حمية، بل بدت بالنسبة إلى متابعين للشأن السياسي بالجهات الجنوبية بمثابة إشارة إلى عودة هذا اللقب إلى التداول داخل حزب الاستقلال، بعد مرحلة ارتبطت فيها الساحة الحزبية بالداخلة باسم ينجا الخطاط.
مبارك حمية، الذي اختار مغادرة حزب التجمع الوطني للأحرار والالتحاق بحزب الاستقلال، أكد في كلمته أن قراره لم يكن بحثاً عن منصب أو امتياز سياسي، وإنما جاء عن قناعة بالانضمام إلى حزب عريق ذي مسار وطني ومكانة تاريخية.
غير أن اللافت في مداخلته لم يكن فقط حديثه عن دوافع الالتحاق بحزب الاستقلال، وإنما أيضاً الطريقة التي أعاد بها تقديم حمدي ولد الرشيد باعتباره منسق الجهات الجنوبية الثلاث، في لحظة سياسية تعرف فيها الأقاليم الجنوبية إعادة ترتيب واسعة للتحالفات والمواقع.
لقب يعود إلى الواجهة
استحضار لقب “منسق الجهات الجنوبية الثلاث” وربطه بإسم حمدي ولد الرشيد يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى المرحلة التي عرفها حزب الاستقلال في الداخلة خلال السنوات الماضية، والتي طبعها صراع واضح حول طبيعة القيادة والتدبير التنظيمي داخل الحزب.
فمع بروز ينجا الخطاط في واجهة المشهد الاستقلالي بالداخلة، دخلت العلاقة مع حمدي ولد الرشيد في مرحلة اتسمت بالتباين، خصوصاً بشأن حدود تدخل القيادة الاستقلالية بالعيون في تدبير شؤون الحزب بالداخلة.
ومع مغادرة ينجا الخطاط لحزب الاستقلال والتحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، بدا أن صفحة كاملة من الصراع السياسي والتنظيمي قد أُغلقت، لكن مداخلة مبارك حمية جاءت لتعيد أحد أبرز عناوين تلك المرحلة إلى الواجهة: حمدي ولد الرشيد .. منسق الجهات الجنوبية الثلاث.
من مرحلة الانقسام إلى إعادة ترتيب الصفوف
كان خروج ينجا الخطاط من حزب الاستقلال قد طرح تساؤلات حول مستقبل الحزب بالداخلة، وما إذا كان قادراً على استعادة توازنه بعد مغادرة أحد أبرز وجوهه، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحزب اختار مواجهة المرحلة الجديدة بمنطق إعادة البناء والاستقطاب، من خلال استعادة عدد من الوجوه السياسية وتعزيز صفوفه بأسماء جديدة.
وفي مقدمة هذه الأسماء محمد بوبكر، أحد الوجوه السياسية المعروفة بالجهة، ثم مبارك حمية، الذي انتقل من حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حزب الاستقلال، إلى جانب عدد من الشخصيات والفعاليات السياسية… وهكذا، يبدو أن حمدي ولد الرشيد نجح، في فترة وجيزة، في إعادة ترتيب البيت الاستقلالي بالداخلة، وتحويل مغادرة ينجا الخطاط من أزمة تنظيمية إلى فرصة لإعادة بناء المشهد وفق موازين جديدة.
حمية .. رسالة تتجاوز حدود الانضمام
مبارك حمية لم يكن اسمه عادياً في المشهد السياسي بالداخلة، كما أن التحاقه بحزب الاستقلال لم يأتِ في سياق عادي، فالرجل القادم من حزب التجمع الوطني للأحرار، وبعد تجربة سياسية داخل أحد أبرز الأحزاب الحكومية، اختار الالتحاق بحزب الاستقلال، ليظهر في أولى لقاءاته الحزبية وهو يمنح حمدي ولد الرشيد وصف “منسق الجهات الجنوبية الثلاث”، وهنا تكمن الدلالة السياسية الأبرز، فالمسألة لا تتعلق فقط بعبارة وردت في كلمة، وإنما بكونها صدرت عن شخصية سياسية جديدة داخل الحزب، وفي لقاء حضرته قيادات وفعاليات استقلالية، وفي ظرفية تستعد فيها الأحزاب للانتخابات التشريعية المقبلة.
هل أعاد حمية اللقب إلى واجهة المشهد؟
بالنسبة إلى متابعين للشأن السياسي بالداخلة، فإن إعادة لقب “منسق الجهات الجنوبية الثلاث” إلى حمدي ولد الرشيد تبدو وكأنها إعلان رمزي عن عودة الرجل إلى موقعه المركزي داخل هندسة حزب الاستقلال في الأقاليم الجنوبية.
وإذا كان ينجا الخطاط قد غادر الحزب واختار خوض تجربته السياسية من داخل حزب الأصالة والمعاصرة، فإن حزب الاستقلال لم يدخل مرحلة الفراغ التي توقعها البعض، بل تحرك سريعاً لإعادة ترتيب أوراقه.
والأكثر إثارة أن هذا الترتيب لم يقتصر على الحفاظ على الوجوه القديمة، بل شمل استقطاب أسماء جديدة ووازنة، يأتي في مقدمتها مبارك حمية.
هل يتعلق الأمر بانتصار سياسي لحمدي ولد الرشيد ؟
قد يكون من المبكر الحديث عن حسم نهائي للصراع السياسي بين حمدي ولد الرشيد وينجا الخطاط، خصوصاً أن المنافسة الانتخابية المقبلة قد تحمل تحولات جديدة.
لكن على مستوى حزب الاستقلال، تبدو الصورة واضحة : اللقب الذي غاب خلال مرحلة ينجا الخطاط عاد مجدداً إلى التداول، وهذه المرة على لسان مبارك حمية، وهو ما يمكن قراءته باعتباره مؤشراً على استعادة حمدي ولد الرشيد لنفوذه في المشهد الاستقلالي بالأقاليم الجنوبية، وعلى نجاح الحزب في تجاوز تداعيات المرحلة السابقة.
والمعروف في السياسة، أن الكلمات دائماً لا تعد مجرد تفصيل عادي، خصوصاً عندما تصدر في توقيت حساس وعلى لسان أسماء وازنة، ومبارك حمية، لم يكتفِ بإعلان اختياره السياسي، بل أعاد إلى الواجهة لقباً يحمل حمولة تنظيمية وسياسية كبيرة : “منسق الجهات الجنوبية الثلاث”… لقب غاب عن المشهد خلال مرحلة ينجا الخطاط، ليعود اليوم مقروناً باسم حمدي ولد الرشيد، في وقت يبدو فيه حزب الاستقلال بصدد إعادة ترتيب صفوفه استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وبينما اختار ينجا الخطاط موقعاً جديداً داخل حزب الأصالة والمعاصرة، يبدو أن حمدي ولد الرشيد يرد من داخل البيت الاستقلالي نفسه، عبر إعادة بناء التنظيم، استقطاب الوجوه السياسية، واستعادة الرموز التي تؤكد حضوره في الجهات الجنوبية الثلاث.
ويبقى السؤال الأهم .. هل تكون عودة لقب “منسق الجهات الجنوبية الثلاث” مجرد استعادة لصفة سياسية، أم أنها تعكس عودة فعلية لعراب الإستقلال بالصحراء، لحمدي ولد الرشيد إلى واجهة قيادة المشهد الاستقلالي جنوباً؟



















عذراً التعليقات مغلقة