نخب الصحراء – مدير النشر
تشهد الأقاليم الجنوبية في الآونة الأخيرة تحولاً لافتاً في طبيعة العلاقة بين النخب السياسية وبين الإدارة اللاممركزة (المدراء الجهويين وممثلي المؤسسات العمومية). هذا التحول، الذي يراه مراقبون بمثابة “النقطة التي أفاضت الكأس”، بات يطرح عدة تساؤلات جوهرية حول هيبة مؤسسات الدولة، وحدود التماس بين “الشرعية الانتخابية” و”الشرعية الإدارية”.
فالملاحظ أن بعض النخب والمجالس المنتخبة أصبحت تتخذ من “مساءلة” المدراء الجهويين حلبة لاستعراض القوى وتصدير الأزمات. فبدلاً من الحوار المؤسساتي الرصين الهادف لإيجاد حلول واقعية للمشاكل الهيكلية، يتم اللجوء إلى “شخصنة الخلل” ورمي الكرة في ملعب الأطر التقنية التي تمثل امتداداً للمركز والوزارات الوصية بالرباط.
فمحاولة “تقزيم” المسؤول الإداري وجعله “ورقة سياسية” لتمرير رسائل سياسية أمام الشارع، تعكس هروباً من مواجهة المسؤولية التدبيرية الحقيقية. فالسياسي، بصفته شريكاً في القرار وموقعاً على اتفاقيات التدبير، لا يمكنه قانوناً ولا منطقياً أن يتنصل من تبعات تلك القرارات وتحويلها إلى “سوط” يجلد به موظفي الدولة.
فخطورة هذه الظاهرة الغير صحية تكمن في محاولة خلق نوع من “الإستقواء السياسي” على هيبة الدولة ومؤسساتها، فالمدراء الجهويون تابعون لقطاعات وزارية ولهم تراتبية إدارية واضحة، وتحويل دورات المجالس إلى “محاكم تفتيش” علنية لهؤلاء هو تطاول خطير يتجاوز الصلاحيات التي منحها المشرع للمنتخب. هذا “التغول” لا يمس الأشخاص في ذواتهم، بل يضرب في العمق صورة الدولة الإدارية وقدرتها على ضبط التوازن في مناطق حساسة تتطلب أقصى درجات التنسيق والعقلنة.
وسط هذا المشهد، تبرز الحاجة الملحة لتفعيل الدور المحوري لوزارة الداخلية، وتحديداً مؤسسة “الوالي”. بصفته الممثل المباشر للدولة والضامن لحسن سير المرافق العمومية وفق الدستور، يظل الوالي هو “الحكم” والضامن لعدم انزياح الصراع نحو مسارات شعبوية.
فحماية المؤسسات العمومية من أن تتحول إلى “فوطة” يمسح فيها الساسة فشلهم التدبيري، تتطلب تدخلاً حازماً من سلطة الوصاية لإعادة ضبط المسافة بين “هيجان النخب” و”رزانة الإداري”، لماذا ؟ لأن الادارة هي عماد التنمية، وأي إضعاف لها أمام ضغط الشارع السياسي هو طعنة في قلب النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية.
فالحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن النخب السياسية مطالبة بتقديم بدائل واقعية عوض الانخراط في “البروباغندا” التي تقتات على مهاجمة المسؤولين المؤسساتيين وتجريدهم من كرامتهم لتحويلهم إلى “أكباش فداء”، فالمواطن اليوم بات امثر وعياً من أمس فهو اليوم بحاجة لجودة الخدمات وفاعلية الإدارة، وليس الخطابات الهجومية، وفي نهاية المطاف، فأخطر ما تسفر عنه ممارسات “تقزيم الإدارة” وتحويلها إلى مشجب للأزمات السياسية، ليس مجرد إضعاف لمسؤول هنا أو مؤسسة هناك، بقدر ما يعمق أزمة الثقة بين المواطن وبين مؤسسات الدولة ككل. فالمواطن بالأقاليم الجنوبية، حين يرى المسؤول الإداري “التيكنوقراطي” يُجلد علانية في سوق المزايدات السياسية، يبدأ في فقدان الإيمان بهيبة الدولة ومؤسساتها الادارية.
فاليوم على الجميع أن يدرك أن “الثقة” هي العملة الصعبة في مسار التنمية بالصحراء، وأن العبث بها لخدمة أجندات انتخابية ومصالح سياسية هو مقامرة بمستقبل الاستقرار والنمو، لأن الادارة القوية والمحترمة هي وحدها الكفيلة بترجمة الوعود إلى واقع، وبدونها يبقى كل استعراض سياسي مجرد “زوبعة في فنجان” تزيد من حدة الاحتقان وتعمق فجوة الاغتراب بين المواطن ومؤسساته.



















