دهاء السياسة في الأزقة الشعبية : كيف صنع حمدي ولد الرشيد ولاءً انتخابيًا لا يزال ساريًا؟

12 فبراير 2025
دهاء السياسة في الأزقة الشعبية : كيف صنع حمدي ولد الرشيد ولاءً انتخابيًا لا يزال ساريًا؟

نخب الصحراء – كريم تكنزا

مقابل الأحياء الراقية التي تتميز بجمال تصميمها وفخامة بيوتها وهدوء ضجيجها وقلة قاطنيها، هناك جانب آخر في العيون كباقي المدن، حيث تستقر طبقة من البشر تصارع الحياة من أجل الاستمرار. إنها الأحياء الشعبية التي تضم ما يقارب 80% من إجمالي سكان المدينة، متفرقة في العديد من الزوايا بالمدينة، مثل سوق الجاج وتكساس وسوق الجمال… هذا الأخير الذي سيكون محور حديثي، والذي من خلاله سنكشف أهم أسلوب استخدمه “داهية الصحراء” كما لقبته “مجلة إسبانية”. بالفعل، لم تكذب المجلة حين نعتت حمدي ولد الرشيد بلقب “داهية الصحراء”، فدهاؤه جعله يفكر خارج الصندوق في آلية تمكنه من التسويق لنفسه قبل خوض غمار الانتخابات الجماعية سنة 2009، الانتخابات التي تفوق فيها بأغلبية ساحقة أسقطت كل منافسيه آنذاك، ليبزغ نجم حمدي ولد الرشيد كشخصية سياسية بارزة في العيون إلى يومنا هذا.

بالعودة بالزمن إلى الوراء، وانطلاقًا من الحي الأكثر شعبية آنذاك والمعروف في المدينة باسم “سوق جمال”، الحي الذي كان يضم خليطًا اجتماعيًا جمع بين مختلف المكونات القبلية، الحي الذي ترعرعت بين أحضان جدرانه الضيقة، وبالضبط في منزل وسط زنقة كانت من بين الأزقة الأكثر نشاطًا وحيوية، باعتبارها مركز الحي. بل إنها كانت أكبر من ذلك، حيث كانت تضم نساءً ورجالًا من أكثر الناس حيوية. وبالضبط سنة 2005، وبالقرب من بيتنا، بدأت أشغال هدم أحد المنازل المهترئة ليتحول في ظرف وجيز إلى بيت فخم. ليبدأ التساؤل لدى ساكنة الحي: لمن هذا البيت يا ترى؟

بعد الانتهاء من تجهيز البيت، فجأة ظهر رجل ذو بدلة سوداء تتوسطها ربطة عنق يختلف لونها من يوم لآخر، رفقة زوجته وابنته الصغيرة. هنا تبين لسكان الحي أنه رجل ذو حظوة وليس كباقي رجالات الحي المغلوب على أمرهم. في البداية كان يظهر مرة ويختفي مرة، حتى استقر وأصبح كل صباح يرتاد سيارته البيضاء من نوع “فياط أونو”، ليغيرها فيما بعد بسيارة جديدة من نوع “داسية” ذات الترقيم “WWW”. هنا بدأت اللعبة، حيث بدأت زوجة الرجل في التقرب من الجيران بأسلوب لا ينم عن أي رغبة بقدر ما هو تقرب اجتماعي تحت ما يسمى “الجار على جاره”. يومًا بعد يوم، حتى أصبحت مطلعة على الجيران فردًا تلو الآخر، لتنتقل بعد ذلك نحو خطوة مشاركة همومهم، التي من خلالها فتحت باب تقديم بعض الخدمات ذات الطابع المؤسساتي من خلال وساطة زوجها الذي لم نكن نعرف آنذاك طبيعة عمله (يومًا صحفيًا، ويومًا برلمانيًا، ويومًا رئيس ملحقة، ويومًا مسؤولًا في المحكمة…). المهم أنه كان يحسن دور الوساطة في حل جل المشاكل والأمور العالقة لبعض العائلات، ليصل مداها لحد التدخل في القضايا الأمنية من خلال الإفراج عن بعض شباب الحي الذين كان يطالهم الاعتقال بين الفينة والأخرى (بعضها بسبب شجار، وأخرى مختلفة…)، ناهيك عن التدخل في حل المشاكل الضريبية والصحية والتعليمية، حيث كان دائمًا ما يتدخل لردع الطرد الذي كان يطال بدوره بعض أبناء الحي، سواء بسبب الغيابات المتكررة أو السلوك… المهم أنه كان يحل جميع مشاكل الحي بل وكل ما كان يخطر على بالك… ونظير ما كان يقدمه، استطاع الرجل كسب التعاطف الذي مكنه من التقرب من جل شباب الحي، الشيء الذي جعله يركز على الفئة الأكثر تأثيرًا من غيرها. طبعًا، نفس الأسلوب اتخذته زوجته لينصب اختيارها على النساء الأكثر شعبية بالحي الشعبي نفسه، بعد اختراق عواطفهم والاستحواذ على ولائهم.

الاستراتيجية الذكية:

في سنة 2009، وقبل انطلاق الاستحقاقات الانتخابية الجماعية والجهوية بأيام، استطاعت زوجة الرجل أن تجند كل النساء المؤثرات في الحي، الذين بدورهم جندوا باقي النساء بكل زوايا الحي. كذلك، استطاع الرجل أن يجند جل الشباب، حيث كان في بعض الأحيان يعقد اجتماعات مغلقة في بيته مع شباب الحي الأكثر تأثيرًا وسطوة. إلا أنه مع اقتراب موعد الحملة الانتخابية، أصبح الكل “استقلاليًا” أكثر من الاستقلال نفسه، بل وأصبح الكل يتفاخر بقميص “الميزان” كقميص يضفي على صاحبه أنه من ضمن الجماعة، والخارج عنها شيطان. وحتى ونحن صغار، تم تجنيدنا بتسليمنا مجموعة من الأوراق تحمل شعار الميزان وتوزيعها على أصحاب المحلات التجارية، وذلك مقابل بعض الدراهم التي كانت بالنسبة لنا تمثل ثروة وما قد يصاحبها من سطوة وتحكم على باقي الأطفال، خصوصًا في قاعة الألعاب (“البيار”). وكانت زوجة الرجل كل يوم تشرف على تجمع كان أشبه بعرس، حيث يجتمع كل نساء الحي مشكلين بذلك حلقات وصفوفًا جد منظمة، مرفوقة بزغاريد وشعارات كانت تردد اسم حمدي ولد الرشيد، لم أشهد في حياتي حملة انتخابية كتلك التي عشتها، كان الكل فيها يردد اسم حمدي المرتبط أساسًا بشعار الميزان. لم يقف الأمر هنا، بل كانت تقام أمسيات موسيقية يشرف على تنظيمها شباب الحي، لتتحول فيما بعد إلى حفلات خطابية بعد حضور الزعيم “حمدي ولد الرشيد” الذي كان يلقي فيها من المنصة التي تموضعت وراء السوق البلدي بسوق جمال (“الباريو”) خطابات مشبعة بالجمل التي تتطرب أهل الحي. كما أنه كان يستعمل في خطاباته لغة سليمة وسهلة يسهل على المتلقين البسطاء فهمها. كنت أتذكر أنه كان يقول: “لهي نخدمو ولادكم، ولهي نعدلو ليكم بركسات، ولهي نخدمو الأرامل…” لم أكن أسمع آنذاك عن ساحات وأسواق نموذجية… كانت البركسة آنذاك هي الإنجازات الوحيدة بالنسبة للبلديات، كانت عبارة عن حاوية حديدية عملاقة يتم سحبها بسلاسل ضخمة فوق شاحنة. المهم أن الحفلات الخطابية كانت جد محكمة ومنسقة، لتتجذر الولاءات ويصبح الميزان شعارًا مقدسًا للكل، حتى أن شباب الحي باتوا يمنعون مرور “ديفيلي” حزب السنبلة من شارع سوق جمال الذي كان يتزعمه آنذاك “الجماني”، ليتحول المنع في النهاية إلى شجارات شبيهة بما يسمى “حرب العصابات” بين موالي السنبلة “الجماني” وموالي “الميزان” حمدي ولد الرشيد، لدرجة أن الشجار تحول في إحدى الليالي السوداء إلى ساحة حرب دامية بسبب هجوم مجموعة من الشباب كانوا يمتطون سيارات رباعية الدفع السوداء اللون على الحي الذي كان يتمركز فيه الرجل وزوجته، باعتباره بؤرة التجنيد الحزبي. لم أكن لأنسى تلك الليلة السوداء وتلك المشاهد الشبيهة بأفلام حرب العصابات، ونحن صغار لم نكن نستوعب ما الذي يحدث وما السبب وراء هذا الشجار الدامي العنيف الذي خلف قلقًا في نفوسنا.

ذروة الحدث:

فبعد مدة من الحملات الانتخابية والحفلات الموسيقية والخطابات الرنانة المشبعة بالوعود التي لامست هموم ساكنة الحي، وفي ليلة الاقتراع، كان سكان الحي يترقبون النتائج كأنها “تقرير مصير”. تحول الحي من حي ساكن إلى بؤرة تجمعات، في كل ركن من الحي تشاهد مجموعة من الأشخاص مجتمعين ولا حديث غير حديث الانتخابات. وقرابة الثالثة من منتصف الليل، تأتي سيارة سوداء يخرج منها رجل ليخبر المجتمعين أن “الميزان” حصل على الأغلبية بدائرة سوق الجمال، لتنطلق الزغاريد وتعُم الفرحة بين أهالي الساكنة، ليتحول فيما بعد بيت الرجل وزوجته إلى زاوية شبيهة بالزاوية الدينية. ليعلن في اليوم الثاني خبر أن حمدي ولد الرشيد، عراب الميزان بالصحراء، قد فاز في انتخابات الجماعية سنة 2009 البلدية وتربع على عرش جماعة العيون، لتعُم الفرحة وتنطلق الزغاريد التي علا صوتها في سماء الحي، بل ووصل الشعور بالفرح لحد بكاء بعض السيدات. لترجع الأمور إلى سابق عهدها، ويرجع حي سوق جمال الذي عاش فترة تجنيد حزبي وسط حفلات كانت أشبه بحفلات الأعراس من حيث الذوق والتنظيم. لكن لن ننكر أن حمدي ولد الرشيد قد وفى بوعده وظل يقدم الخدمات التي تدخل ضمن اختصاصه، وفعلاً تم تجهيز حي سوق جمال ببركسات جديدة، ناهيك عن التبليط لبعض الأزقة وغرس الأشجار… بل ووظف العديد من أبناء الحي في “الإنعاش الوطني”، وأيضًا وفى بوعده للنساء الأرامل من خلال توفير مبلغ لهن يدخل ضمن “تنمية البشرية” لإعالة أبنائهن وذويهن. وهنا انتهى دور الزوج وزوجته المثقفة التي لا ننكر أنها كانت لطيفة، الشيء الذي زاد من كسبها لثقة أهل الحي. ولا ننسى أنها كانت كذلك أمًا لكل أطفال الحي، فالمحظوظ كان هو من يلبي حاجياتها السوقية، ليكافئ في النهاية بالبقشيش الذي كان في بعض الأحيان بقشيشًا ذا قيمة ربما أعلى من ثمن البضاعة نفسها. لكنها أيضًا كانت ترهقهم بأسماء بعض المنتوجات التي كانت غريبة النطق بالنسبة لهم كالميونيز مثلاً، نظرًا لعدم معرفتهم بها بحكم طبقيتهم التي تعتمد على المنتوجات المعتادة كالخبز والزيت والشاي… أتذكر أنه في يوم من الأيام قام أحد الأطفال بفتح علبة “مايونيز” ظنًا منه أنها جبن أو شيء من هذا القبيل لإشباع فضوله، رغم أن فعلته قد تكلفه عقاب قد يصل لحد فقدان الثقة. إلا أن رد فعل الزوجة اللطيفة كان مخالفًا لنظرية العقاب، ضحكت ثم أخبرت الطفل أن هذا المنتوج يوضع ضمن أطباق سبق طبخها، وانه ليس جبنًا أو زبدًا يؤكل مباشرة، لتجازيه في نهاية المطاف بعلبة “الفرماج” من نوع “كيري” بالإضافة إلى البقشيش الذي كان أصلاً محفزًا للأطفال من أجل الاستمرار في تقديم الخدمات.

بعد نجاح حمدي ولد الرشيد بالأغلبية، فجأة اختفى الرجل وزوجته، لنعلم فيما بعد أن المنزل قد تم بيعه من طرف الرجل لأحد التجار. ومن ذلك اليوم وهو مختفي، ولم نعلم إلى أين ذهب، إلى أن سقطت بالصدفة عيناي عليه في إحدى دورات المجلس، واكتشفت أنه من ضمن المربع الذهبي لحاشية حمدي ولد الرشيد، وهو في نفس الوقت عضو بالجماعة منذ عقود، لأكتشف أن الرجل كان يخدم أجندات “الميزان”، وأن انتقاله إلى حي شعبي لم يكن بالصدفة بل كانت وراءه أهداف حزبية توجت بالنجاح، وبعد تعمقي في الموضوع، اكتشفت أيضًا أنه على مستوى كل حي كان هناك رجل شبيه بالرجل الذي كان يعيش بيننا،فجميع الأحياء اختير لها رجل كفء يستطيع أن يدرس جغرافية الحي ويحلل السياق الاجتماعي لمعرفة من هم الأكثر شعبية والأكثر تأثيرً.

حمدي ولد الرشيد كان يعلم آنذاك أن قوة أي حزب تكمن في أزقة الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان. فقد استطاع بذكائه وأسلوب تفكيره أن يصنع لنفسه مجدًا وولاءً لا يزال ساري المفعول حتى اللحظة. ومن بين الآليات التي يستمد منها قوته، كانت الأحياء الشعبية هي الركيزة الأساسية. كان يدرك أن أغلب سكان مدينة العيون يتمركزون في هذه الأحياء، على عكس الأحياء الراقية والمخملية، حيث يعيش سكانها وفق مبادئ براغماتية تجعلهم ينظرون إلى السياسة على أنها مجرد لعبة، لم يكن نجاح حمدي ولد الرشيد وليد الصدفة، بل كان نتاج فهم عميق للبنية الاجتماعية للأحياء الشعبية، واستثمار ذكي في العلاقات الإنسانية. لم يكتفِ بوعود انتخابية، بل حقق بعضها، مما عزز ولاءً طويل الأمد. لقد أدرك أن السياسة ليست فقط شعارات، بل هي تواصل مباشر مع الناس في أماكنهم، حيث يُصنع القرار الحقيقي—ليس في القاعات الفاخرة، بل بين أزقة الأحياء المكتظة بالحياة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *