نخب الصحراء – قسم التحرير
بينما تتجه بوصلة الرقابة الشعبية والإعلامية نحو المنتخبين ورؤساء المجالس المنتخبة، تنمو في المناطق الرمادية، نخبة من الموظفين والمسؤولين الإداريين اختارتو الابتعاد عن الأضواء لترتيب صفقات الثراء السريع في الظل، في مدن كالعيون والداخلة، لم يعد الحديث مقتصرًا على نفوذ السياسيين، بل امتد ليشمل موظفين نافذين راكموا ثروات مشبوهة، محولين المسؤولية الإدارية إلى منصات للاستثمارات.
كشفت مصادر مطلعة لـ “نخب الصحراء” عن تفاصيل صادمة تتعلق بأحد المسؤولين البارزين في مجلس سياسي، والذي لم يكتفِ بتملك شقق فاخرة في كبرى المدن المغربية كالرباط وأكادير، بل امتدت أذرعه المالية لامتلاك عقارات في “جزر الكناري” الإسبانية، هذا التمدد العقاري يطرح علامات استفهام كبرى حول مصادر التمويل، في ظل راتب وظيفة عمومية لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يغطي تكاليف استثمارات دولية بهذا الحجم.
وفي واقعة أثارت ذهول الرأي العام المحلي بالعيون، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بخبر “اهداء مهندس” يشغل منصب رئيس قسم التعمير بإحدى المؤسسات المنتخبة، بتقديم “هدية” لرئيسه غير المباشر عبارة عن ثلاثة جِمال، قُدرت قيمتها المالية بحوالي 150,000 درهم اي خمسطاش المليون السنتيم، هذه الواقعة التي يراها بعض الفاعلون على أنها بمثابة شراء الولاءات وتكريس ثقافة الزبونية التي تخدم مصالح ضيقة على حساب مشاريع تنموية.
هؤلاء الموظفون والمسؤولن المتمركزين في “مربع ظلامي” بعيداً عن ضجيج الانتخابات ومحاسبة الصناديق، وفر لهم غطاءً مثالياً للاستفادة من الصفقات العمومية، وتدبير ملفات التعمير، والتلاعب بالوعاء العقاري وتضخيم طلبات العروض وشراء سيارات فارهة باموال الدولة … الاستقصاء الذي أُجري مع عدد من الفاعلين الميدانيين أكد أن “أثرياء الظل” باتوا يشكلون طبقة اقتصادية موازية، تستمد قوتها من البيروقراطية المعقدة وغياب آليات “من أين لك هذا؟”.
فاستمرار هذا النزيف المالي في مكاتب الإدارات بالمجالس السياسية بالصحراء، وتحول الموظف من خادم للمرفق العام إلى “صناع الثراء”، هو صورة تعكس تكريس وفشا آليات الرقابة، فهدايا الجِمال وعقارات “لاس بالماس” ليست إلا قمة جبل الجليد في منظومة فساد إداري تقتات على ميزانيات عمومية من شأنها ان تسهم في حل العديد من الملفات العالقة بالصحراء كملف السكن والبطالة…
ومع ذلك، وجب التأكيد أن هذا التشخيص لا يطال الجميع، فهناك فئة شريفة داخل الإدارة، قدمت وما تزال تقدم تضحيات جساماً في خدمة الوطن والمواطن، وتشتغل بنزاهة ومسؤولية بعيداً عن كل أشكال الريع والفساد. هؤلاء هم صمام الأمان الحقيقي، والاستثناء الذي يؤكد أن الإصلاح ممكن متى توفرت الإرادة.
فاليوم حان الوقت لإخراج هؤلاء من جحورهم وتسليط الضوء على اختلالاتهم ومصادر ثرواتهم المهولة… فهل ستتحرك المجالس الجهوية للحسابات لفتح “علب الإدارة السوداء”، أم أن هؤلاء الأثرياء سيظلون مرتدين طاگيت الخفا متقنين بها فن الثراء السريع في الظل؟ فالصمت عن مثل هذه الملفات ليس إلا وقوداً لغضب شعبي يرى ثروات المنطقة تُحلب في واضحة النهار، وتُهرب تحت جنح الاستثناء الإداري !
فالصمت عن مثل هذه الممارسات، التي تنخر ثقة المواطن في المؤسسات وتُقوّض مصداقيتها، لا يُنتج سوى احتقانٍ شعبي متصاعد، يرى بأمّ عينه ثروات الصحراء تُستنزف في واضحة النهار، وتُهرَّب تحت يافطة الخدمة الادارية.. وفي مقابل ذلك، تظل الصحراء في أمسّ الحاجة إلى كل درهم لتأمين إقلاع تنموي حقيقي، يستجيب لتطلعات ساكنتها ويعيد الاعتبار لمفهوم العدالة المجالية.




















عذراً التعليقات مغلقة