تارزيفت بالصحراء .. بين أصالة التكافل وتحولات التفاخر

25 مارس 2025
تارزيفت بالصحراء .. بين أصالة التكافل وتحولات التفاخر

نخب الصحراء – مقالات

تأثير التحولات الاجتماعية على عادة “تارزيفت” في المجتمع الصحراوي

لا شك أن ثقافة مجتمع الصحراء حبلى بالعادات الفضلى التي تجعل من التماسك الأسري قمة الأولويات، ومن التكافل الاجتماعي أساس الأخلاقيات بين مختلف مكونات مجتمع بني حسان في الصحراء المغربية. ويُعد هذا المجتمع مزيجًا قبليًا متنوع الانتماء، لكنه موحد في العديد من العادات والتقاليد التي أرساها الأجداد وحافظ عليها الخلف.

تارزيفت: عادة أصيلة في المجتمع الحساني

تُعد “تارزيفت” من أبرز هذه العادات، وهي تعني مجموع الهدايا المالية والعينية التي تُقدَّم في المناسبات والأفراح، مثل الأعراس والعقائق وغيرها من الاحتفالات. وقد كانت هذه العادة في مجتمع البداوة تُقدَّم حسب الاستطاعة، حيث شكلت مظهرًا من مظاهر التعاون الطوعي والعفوي والمساندة بين أفراد القبيلة عمومًا، ومعارف وأقارب أصحاب المناسبة خصوصًا.

تأثير التغيرات الاجتماعية على “تارزيفت”

مع انتقال الإنسان الصحراوي للعيش في المدن وزحف الحضارة والتمدن، تراجعت العديد من العادات والتقاليد، مما أدى إلى اندثار بعض القيم الأصيلة التي كانت تؤطر حياة القبيلة. وقد أثّر هذا التغير على عادة “تارزيفت”، حيث انحرفت عن دورها التقليدي في المساندة والتآزر، وأصبحت وسيلة للمباهاة والتفاخر.

في ظل موجة الغلاء والتضخم المستشري، ومع تزايد البطالة والركود الاقتصادي، تلجأ العديد من الأسر الصحراوية إلى التكلّف في تقديم “تارزيفت”، بل يصل الأمر إلى حد استغلال المدخرات المالية وأحيانًا الاقتراض، فقط من أجل سماع المديح والمجاملة. وهذه سلوكيات دخيلة على الثقافة الحسانية، تهدد بنسف ما تبقى من القيم النبيلة وطمس هوية المجتمع الأصيل.

مظاهر البذخ والمفاخرة في المناسبات

لمتتبِّع أفراح أهل الصحراء وأعراسهم، يتضح أن الكثير من المناسبات باتت تتسم بالبذخ والمباهاة، حيث أصبح الهدف خطف الأضواء داخل العائلة والقبيلة، بدلًا من الحفاظ على روح التضامن والتكافل.

دور شيوخ القبائل في تقويم السلوك الاجتماعي

في ظل هذه التحولات، نتساءل عن غياب مؤسسة شيخ القبيلة، التي كانت تلعب دورًا محوريًا في حماية العادات والتقاليد. فقد انغمست هذه المؤسسة في تدبير الشؤون السياسية والمصالح الشخصية، متناسية دورها في الحفاظ على التماسك الاجتماعي عبر تقويم السلوكيات والتحكم في الأعراف القبلية.

فهل سنشهد في القريب العاجل تدخلًا حاسمًا من شيوخ القبائل لإعادة تنظيم هذه العادة وإرجاعها إلى دورها التقليدي في التضامن والتآزر؟ أم أن ثقافة التفاخر والمبالغة ستستمر في طمس معالم هذا المجتمع العريق؟

بقلم : العلمي الفيلالي

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *