أزمة الحكامة الحزبية بالمغرب .. تزكيات المنازل كنموذج للارتداد الديمقراطي

11 يوليو 2026
أزمة الحكامة الحزبية بالمغرب .. تزكيات المنازل كنموذج للارتداد الديمقراطي

نخب الصحراء : كريم تكنزا | مدير النشر

مع كل استحقاق انتخابي، يتجدد النقاش السوسيولوجي والسياسي حول مدى قدرة الأحزاب السياسية على الاضطلاع بأدوارها الدستورية في تجديد النخب والتنشئة السياسية، وإفساح المجال أمام الكفاءات الشابة للولوج إلى مراكز القرار. غير أن التفاعلات الرقمية والإعلامية الأخيرة التي شهدتها بعض الأقاليم الجنوبية والمتمثلة في تداول توثيق لمنح التزكيات الحزبية تخت اسقف صالونات المنازل، أعادت إلى الواجهة إشكالية مأسسة الفعل الحزبي، ووضعت آليات التدبير الداخلي للهيئات السياسية، محط تساؤل ونقد.

فمسار منح التزكيات الانتخابية يمثل، في جوهره الأكاديمي، تجسيداً للديمقراطية الداخلية التي يُفترض أن تخضع للمساطر المؤسساتية والهياكل التنظيمية للحزب، بناءً على معايير الكفاءة والاستحقاق والمفاضلة البرنامجية. في المقابل، فإن نقل هذا الفعل السيادي من الفضاء العام (المقرات الحزبية) إلى الفضاء الخاص (المنازل) يُسهم في تعزيز تمثلات سلبية لدى الرأي العام، حيث يُنظر إلى القرار السياسي بوصفه نتاجاً لتوافقات عائلية أو “علاقات زبونية”، ورهيناً لقوة “رأس المال المالي” (أصحاب الشكارة)، عوض أن يكون مخرَجاً لعملية مؤسساتية شفافة.

بالأقاليم الصحراوية للمملكة المغربية، يتخذ هذا الجدل أبعاداً سوسيولوجية أكثر تعقيداً مع تواتر الظاهرة التي يمكن تسميتها بـ “إعادة التدوير النخبوي”؛ حيث تبرز معالم “الأولغارشية الحزبية” من خلال احتكار نفس الوجوه التقليدية والامتدادات العائلية النافذة لفرص الترشح. هذا الواقع يطرح تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة الأحزاب على القيام بوظيفة “الحراك النخبوي المفتوح”، أم أنها تحولت إلى قنوات لإعادة إنتاج البنيات التقليدية والمحافظة على موازين القوى السائدة، مما يؤدي إجرائياً إلى إقصاء المكفاءات الشابة والأطر التكنوقراطية ذات الرؤية الأكاديمية.

فالمفارقة السوسيوساسية تكمن في وجود بون شاسع بين الخطاب الرسمي للأحزاب الذي يتبنى أدبيات “التشبيب”، وتمكين الشباب، وتحديث الحقل السياسي وبين السلوك الانتخابي البرغماتي على أرض الواقع. إذ تنحو الهيئات السياسية نحو ترجيح كفة “الأعيان” والوجوه التي تمتلك القدرة على التعبئة المالية والقبلية لضمان المقاعد الانتخابية، مما يكرس حالة من النفور والاضطرار لدى الطاقات الشابة التي تجد نفسها خارج حسابات “الهندسة الانتخابية” للأحزاب.

إذا كانت المنظومة الحزبية تطالب الشباب بالانخراط في الفضاء العام والمشاركة السياسية الفاعلة، فإن هذا الشباب يواجه عائق “السقف الزجاجي” تنظيماً، مما يجعل التساؤل مشروعاً..كيف يمكن الحديث عن إصلاح سياسي في ظل هيمنة نفس الوجوه وغياب آليات ديمقراطية لضمان تكافؤ الفرص داخل اللوائح الانتخابية؟

في سياق متصل، ولحدود كتابة هذه الأسطر فالأقاليم الجنوبية لا تزال تشهد تحديات بنيوية واقتصادية مقلقة ترتبط بمعدلات البطالة، وجذب الاستثمارات، وتجويد الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة… وهي إشكالات عجزت النقبة التقليدية في إيجاد حلىل جذرية لها حيث تتطلب “حكامة ترابية” ونخباً قادرة على إنتاج السياسات العمومية وتقييمها لا نخباً تمالك الشكارة أكثر مما تمتلك الخبرة التدبيرية… وبناءً على ذلك، فإن الرهان الحقيقي لم يعد يكمن في الحفاظ على النخب التقليدية بدواعي “الهيمنة الانتخابية واكتساح الكراسي البرلمانية”، بل في الانتقال نحو “نخبة الكفاءة والجدارة” Meritocracy القادرة على التجاوب مع متطلبات النموذج التنموي الجديد.

فالتوجيهات الملكية السامية، وفي محطات متعددة، أكدت على ضرورة تنزيل مبدأ المسؤولية بالمحاسبة، وتجديد النخب، وضخ دماء جديدة في شرايين المشهد السياسي عبر بوابات الشباب. واليوم فدعوات القصر تضع الأحزاب السياسية كافة أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية تتطلب القطع مع آليات الاستقطاب القائمة على النفوذ المالي والقبلي بالصحراء…، والالتزام بمعايير النزاهة والتعاقد البرنامجي.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة