نخب الصحراء – كريم تكنزا | مدير النشر
تستدعي العودة إلى الجذور التاريخية للمشهد السياسي والاجتماعي في الأقاليم الجنوبية للمملكة الوقوف أمام محطة مفصلية تشكلها عائلة “آل الجماني”، وهي السلالة التي تلعب دورا محورياً في معادلة النفوذ المحلّي وأحد أبرز أعمدتها المؤسسة منذ بدايات التواجد الوطني بالصحراء. فمنذ عهد الزعيم المرجعي خطاري ولد سيدي سعيد الجماني، الذي اختار بقرار تاريخي الانحياز إلى الخيار الوطني ومبايعة العرش العلوي المجيد في لحظة فارقة من تاريخ الصحراء، كرس هذا البيت موقعاً ريادياً جمع بين الوجاهة القبلية والرمزية السياسية والوزن الاقتصادي. وعلى مدى عقود، ظل اسم العائلة حاضراً بقوة في مختلف الاستحقاقات والمؤسسات التمثيلية، حيث أتقن أبناؤها التقاط تحولات الممارسة الانتخابية والتماهي مع دينامياتها المتغيرة، مما جعل من “الجماني” رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه عند رسم أي خارطة طريق سياسية في الصحراء، مهما تبدلت الخرائط الحزبية أو اشتدت وطأة التنافس.
وفي ظل المشهد الانتخابي المرتقب، تتجه الأنظار نحو هذه العائلة التاريخية لمتابعة محاولة هندسة عودة قوية ومدروسة إلى واجهة القرار البرلماني، عبر توزيع تكتيكي مدروس لمنصات التزكية الشاملة لكبريات الحواضر الصحراوية ( العيون، الداخلة، والسمارة ) وتتجلى أبعاد هذه الاستراتيجية في إعادة رسم التحالفات الحزبية وتجاوز الخلافات المعقدة، إذ تُشكل تزكية محمد سالم الجماني بدائرة العيون باسم حزب الأصالة والمعاصرة نقطة تحول بارزة، بعد مرحلة من الجفاء السياسي والقطيعة الطويلة مع القيادة السابقة لحزب الجرار ممثلة أمينها العام آنذاك عبد اللطيف وهبي. لتعود المنصوري، القيادية الجماعية للحزب على زيارة المنزل التاريخي لختار الجماني بالعيون لإعادة المياه إلى مجاريها وتجديد التزكية لإنهاء خلاف سياسي دام لسنوات، الخطوة التي تحمل في طياتها اعترافاً حزمياً صريحاً بالوزن الرمزي والشعبي لآل الجماني، وبأن معركة العيون الشرسة تتطلب ضرورة استدعاء هذا البيت الشامخ لمعادلة القوة والتنافس.
ولا تقف الطموحات السياسية للعائلة عند حدود حاضرة العيون، بل تمتد لتغطي الخريطة الجغرافية والانتخابية للأقاليم الجنوبية بكامل ثقلها، ففي دائرة الداخلة، أقدم سيدي صلوح الجماني على خطوة سياسية فارقة باستقالته من مجلس المستشارين لخوض غمار انتخابات مجلس النواب، متمسكاً بالوفاء المطلق للونه السياسي الأصيل بحزب الحركة الشعبية. وفي وقت انطلقت فيه موجات متلاطمة من الترحال السياسي هزت أركان العديد من الأحزاب القوية كالإستقلال والأحرار والتقدم والإشتراكية…، ليشكل ثبات الزعيم القيادي “سيدي صلوح الجماني” على انتمائه الحزبي رسالة إخلاص ووفاء للقيادة الحركة الشعبية التي تضع فيه ثقتها الكاملة، مما يعزز مصداقيته ورصيده الميداني لدى ساكنة جهة الداخلة. وفي الوقت ذاته، تحضر العائلة في إقليم السمارة عبر تزكية “ميد الجماني” باسم حزب الأصالة والمعاصرة، لتكتمل بذلك أركان المربع الانتخابي للعائلة في أمهات الدوائر، مجسدة حضوراً يتجاوز الحزبية الضيقة إلى المنطق الزعامي الممتد.
فالسؤال الجوهري الذي يطرحه مراقبو الفضاء السياسي اليوم يتلخص في مدى قدرة “آل الجماني” على انتزاع هذه المقاعد البرلمانية والعودة بقوة إلى الصدارة في شتنبر المقبل، في ظل مناخ انتخابي يتسم بالضراوة وشراسة المنافسة من طرف أحزاب وشخصيات لها وزنها الثقيل في بالصحراء.
ويبدو واضحاً أن العائلة لا تراهن فقط على الرمزية التاريخية والإرث القبلي الممتد، بل تعتمد على مزيج متطور يجمع بين العلاقات الاجتماعية العميقة، والقدرة المالية، والرصيد الميداني المتراكم… واختراقهم للدوائر الثلاث الشاسعة واستعادتهم لزمام المبادرة يظل خياراً ممكناً وبقوة، نظراً لما يمتلكه كل من محمد سالم وسيدي صلوح وميد الجماني من خبرة واسعة في إدارة المعارك الانتخابية المعقدة، وقدرة على توحيد القواعد الانتخابية وترجمتها إلى أصوات حاسمة.
فالمراهنة الحالية لآل الجماني تؤكد أن البيوتات السياسية الكبرى بالصحراء ما زالت تمتلك من مقومات الاستمرار والتجدد ما يجعلها قادرة على صنع الفارق وإعادة ترتيب الأوراق في أحلك لحظات التنافس السياسي.



















عذراً التعليقات مغلقة