المجالس المنتخبة بالصحراء .. لماذا لا تزال المؤسسات المنتخبة خارج رادارات الرقابة؟

8 يونيو 2026
المجالس المنتخبة بالصحراء .. لماذا لا تزال المؤسسات المنتخبة خارج رادارات الرقابة؟

نخب الصحراء – مقالات

رغم التحولات الكبرى التي شهدتها الأقاليم الجنوبية خلال العقدين الأخيرين، سواء على مستوى البنيات التحتية أو حجم الاستثمارات العمومية المرصودة لها، ما تزال المؤسسات المنتخبة بالصحراء تطرح أسئلة حقيقية حول مستوى الحكامة والشفافية والرقابة على تدبير الشأن العام المحلي.

ففي الوقت الذي تعرف فيه جماعات ترابية ومجالس جهوية بمناطق أخرى من المملكة زيارات متكررة للمفتشيات العامة وتقارير للمجالس العليا للحسابات وتتبعات إعلامية وسياسية دقيقة…، يبدو أن العديد من المؤسسات المنتخبة بالصحراء تعيش وضعاً استثنائياً يجعلها بعيدة نسبياً عن دائرة المساءلة، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول الأسباب والخلفيات.

لطالما شكلت “خصوصية الصحراء” أحد أبرز المداخل التي يتم استحضارها عند الحديث عن تدبير الشأن المحلي بالأقاليم الجنوبية. فبحكم ارتباط المنطقة بالوحدة الترابية للمملكة، ظلت الدولة تتعامل مع عدد من الملفات بمنطق يوازن بين متطلبات التنمية والاستقرار السياسي والاجتماعي.

غير أن هذا الاعتبار، الذي قد يكون مفهوماً في بعض السياقات، تحول لدى بعض الفاعلين إلى ما يشبه المظلة التي تسمح بتمرير اختلالات تدبيرية دون إثارة الكثير من الضجيج أو المتابعة السياسية والإعلامية… فكلما طُرحت أسئلة حول الصفقات العمومية أو تدبير الميزانيات أو فعالية البرامج التنموية… يتم استحضار “الخصوصية” باعتبارها سبباً لتجنب الصدامات أو خلق توترات غير مرغوب فيها.

من جهة اخرى وبعيداً عن النصوص القانونية والمؤسسات الرسمية، ما تزال القبيلة تحتفظ بمكانة محورية في تشكيل المشهد السياسي بالصحراء. فالكثير من الاستحقاقات الانتخابية لا تُحسم فقط عبر البرامج أو الكفاءات، بل عبر التوازنات القبلية والتحالفات الاجتماعية التي تتحكم في توزيع النفوذ والمقاعد.

هذا الواقع أنتج مجالس منتخبة يكون ولاؤها في كثير من الأحيان لشبكات النفوذ التقليدية أكثر من ارتباطها بمنطق المحاسبة السياسية أو تقييم الأداء التنموي… كما أن المنتخب الذي يستند إلى قاعدة قبلية واسعة يجد نفسه أقل عرضة للمساءلة السياسية، لأن معيار النجاح يصبح مرتبطاً بالحفاظ على التوازنات الاجتماعية أكثر من تحقيق النتائج التنموية.

وفي بعد اخر لابد من استحضار مفهوم الأعيان،المفهوم الشائع والمرتبط هو الأخر بخيوط المسألة، فطالما لعب الأعيان بالصحراء دوراً مهماً في الحفاظ على الاستقرار وربط جسور التواصل بين الدولة والمجتمع المحلي، خصوصاً خلال مراحل دقيقة من تاريخ المنطقة، غير أن استمرار هيمنتهم على المؤسسات المنتخبة لعقود طويلة خلق وضعاً سياسياً شبه مغلق يصعب معه تجديد النخب وإفراز كفاءات جديدة قادرة على تقديم تصورات تنموية تتمشى مع مغرب اليوم.

ففي العديد من الجماعات والهيئات المنتخبة…، تتكرر الأسماء نفسها والوجوه ذاتها في كل محطة انتخابية، بينما تظل فرص الشباب والأطر والكفاءات محدودة أمام سطوة المال الانتخابي والعلاقات التقليدية وشبكات النفوذ المتجذرة.

من جهة أوخرى لا يمكن فصل واقع المؤسسات المنتخبة بالأقاليم الجنوبية عن السياق العام المرتبط بقضية الصحراء، فالدولة تعتبر المنطقة واجهة سياسية ودبلوماسية مهمة في مواجهة الأطروحات الانفصالية، وهو ما يجعل المحافظة على الاستقرار أولوية استراتيجية.

غير أن هذه المقاربة تثير تساؤلات متزايدة حول حدود التوازن بين الحفاظ على الاستقرار وضمان المحاسبة، فالمراقبون يرون أن تعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة محلياً لا يمر عبر غض الطرف عن الريع الذي تغلغلت فيه بعض المؤسسات…، بل من خلال ترسيخ آليات الرقابة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها عناصر تقوي النموذج التنموي والسياسي المغربي بدل أن تضعفه.

اليوم، وبعد سنوات يظهر أن الإستقرار الحقيقي لا يقوم فقط على التوازنات القبلية أو حضور الأعيان، بل على ثقة المواطنين في مؤسساتهم المنتخبة وشعورهم بأن المال العام يخضع للرقابة وأن المسؤول المنتخب يمكن مساءلته كما هو الحال في باقي جهات المملكة، ليبقى السؤال مطروحاً: هل آن الأوان لإنهاء منطق الاستثناء الرقابي في الأقاليم الصحراوية، والانتقال إلى مرحلة يكون فيها المنتخب الصحراوي خاضعاً للمحاسبة نفسها التي يخضع لها أي منتخب في باقي ربوع المغرب ؟ أم أن الاعتبارات السياسية ستظل تؤجل هذا النقاش لأجل غير مسمى؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة