هبة الدولة والثقة في المؤسسات بين التوجيهات الملكية وبعض الممارسات الترابية

13 مايو 2026
هبة الدولة والثقة في المؤسسات بين التوجيهات الملكية وبعض الممارسات الترابية

نخب الصحراء – أحمد بوصولة

تشكل هبة الدولة وثقة المواطنين في المؤسسات أحد الأعمدة الأساسية التي يقوم عليها أي مشروع ديمقراطي وتنموي ناجح. وقد أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، في أكثر من خطاب، على ضرورة تخليق الحياة العامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان حياد الإدارة الترابية، بما يعزز ثقة المواطن في المؤسسات ويكرس دولة القانون.
غير أن الواقع الميداني، في بعض الحالات، يكشف عن ممارسات تناقض تماماً التوجيهات السامية، وتساهم بشكل مباشر في توسيع مسافة الثقة بين المواطن والمؤسسات الترابية، فالأجدر ان تتموقع الإدارة في زاوية الحياد الإيجابي الذي يكفله الدستور، لكن بعض المؤسسات، في نظر الرأي العام المحلي، أضحت تابعة بشكل غير مباشر لهيمنة بعض المنتخبين النافذين، حتى أصبح المواطن يشعر أن القرار الترابي لا يصنع داخل المؤسسات، بل خارجها، وفق منطق الولاءات والمصالح.
فأخطر ما يهدد البناء الديمقراطي هو ترسّخ الإحساس بانعدام تكافؤ الفرص الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حين تتحول بعض المؤسسات الترابية إلى أدوات لخدمة مصالح أطراف سياسية أو منتخبين بعينهم على حساب باقي الفاعلين. فلا يمكن لأي تجربة ديمقراطية أن تنمو في مناخ تغيب فيه المنافسة الشريفة، ويشعر فيه جزء من الفاعلين السياسيين بأن الإدارة لم تعد تقف على المسافة نفسها من الجميع، بل أصبحت تميل لكفة دون أخرى، بما يقوض الثقة في المؤسسات ويضعف الإيمان بقواعد التنافس الديمقراطي.


وقد عبر عدد من الحقوقين والمثقفين، في أكثر من مناسبة، عن تخوفهم من بعض الممارسات التي تُنسب إلى بعض مسؤولي الإدارة الترابية، وعلى رأسهم والي الإقليم، والمتعلقة بما يعتبرونه إنحيازًا واضحا لفائدة أطراف معينة، سواء في تدبير الملفات المحلية أو في طريقة التعامل مع المنتخبين والجمعيات المدنية والفاعلين الإقتصاديين. وهي ممارسات، لا تمس فقط بصورة الإدارة الترابية، بل تضرب في العمق مبدأ الحياد المؤسساتي الذي يشكل أساس الثقة في الدولة.
فالمملكة المغربية، بقيادة جلالة الملك، تسير في إتجاه تعزيز دولة المؤسسات وربط التنمية المحلية بالحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية. لكن تحقيق هذا الهدف يقتضي قبل كل شيء إدارة ترابية قوية بحيادها، عادلة في تعاملها، ومنفتحة على جميع الفاعلين دون تمييز أو إصطفا أو محاباة.
فالمواطن اليوم يريد مؤسسات تحترمه، وتتعامل معه ومع ممثليه السياسيين بمنطق القانون والمساواة، بعيدا عن أي نفوذ أو حسابات ضيقة. لأن هبة الدولة لا تبنى بالخطب والصور الفارغة وحدها، بل تُترجم عبر سلوك يومي للإدارة، يجسد الحياد والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي الأخير، فإن تعزيز الثقة في المؤسسات الترابية يظل مسؤولية جماعية، تبدأ من إحترام الدستور والقانون، وتمر عبر تحصين الإدارة من كل أشكال التوظيف السياسي، وصولا إلى ترسيخ ثقافة ديمقراطية حقيقية تجعل المواطن يؤمن بأن المؤسسات وجدت لخدمته، لا لخدمة الأشخاص أو المصالح.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة