نخب الصحراء – كريم تكنزا
عندما بزغ اسم حمدي ولد الرشيد لأول مرة سنة 2002 كنائب برلماني عن مدينة العيون، لم يكن أحد يتوقع أن الرجل سيصبح لاحقاً أحد أبرز الفاعلين السياسيين بالصحراء المغربية، بل وأحد أعمدة حزب الاستقلال على المستوى الوطني. فمنذ دخوله قبة البرلمان، بدأ الرجل يرسم طريقه بثبات نحو قمة الهرم السياسي المحلي، لينتخب رئيساً للمجلس البلدي للعيون سنة 2009، وليتحول من مجرد منتخب عادي إلى لاعب أساسي يحدد معالم السياسة بالصحراء.
لم يكن حمدي مجرد سياسي تقليدي، بل شخصية نسجت خيوط اللعبة السياسية بذكاء وحزم. فخلال عقدين من الزمن، استطاع أن يضع تحت سيطرته جل المجالس المنتخبة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حتى بات يوصف بـ”مهندس السلطة” بالعيون. وبفضل دهائه وقدرته على إضعاف خصومه السياسيين واحداً تلو الآخر، لم يترك للرأي العام أي شك في أنه الرجل الأقوى بالصحراء.
في عهد حمدي ولد الرشيد، تحولت مدينة العيون من مجرد مدينة هامشية إلى حاضرة صحراوية جاذبة، تميزت ببنية تحتية قوية، مشاريع عمرانية كبرى، ومرافق اجتماعية ورياضية، نجاحه المحلي رافقه انسجام مع الرؤية الملكية للنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي احكم تنزيلها بدقة وصرامة،ليتفوق على باقي الجهات الجنوبية الأخرى، هذا ما زاد من رسوخ صورته كفاعل سياسي اسطاع ان يمزج مفهوم الاستقرار والإنجاز في آن واحد، رابطاً بذلك اسمه بالتحول الحضاري للعيون، تحوّل لن يمرره التاريخ بسهولة، مهما اختلفت الآراء حول أسلوبه في التدبير.
ليبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ( ماذا لو اعتزل حمدي ولد الرشيد السياسة؟ ) هل ستظل العيون على نفس الوتيرة ؟ أم أن موازين القوى ستنقلب رأساً على عقب ؟
غياب الرجل سيفتح الباب أمام تحولات كبرى. أول هذه التحولات يتعلق بابنه محمد ولد الرشيد،الرئيس الحالي للغرفة الثانية بالبرلمان الذي يُنظر إليه كامتداد طبيعي لمسيرة والده داخل المشهد السياسي بالصحراء المغربية. غير أن المقارنة بين الأب والابن قد تكون قاسية شيئا ما، فمحمد ولد الرشيد ورغم حضوره القوي داخل الحزب ومشاركته في بعض الملفات، الا نه لا يزال يُنظر إليه في نظر النخب السياسية على أنه ضعيف سياسياً مقارنة بوالده، كثيرون يعتبرونه “ظل حمدي” أكثر مما هو زعيم مستقل قادر على فرض نفسه وإيقاعه الخاص.
وإذا لم ينجح نجل حمدي ولد الرشيد في إقناع النخب بقدراته وحنكته ، فإن غياب والده سيخلق فراغاً قد يستغله المتربصون الأخرون سواء من داخل العائلة نفسها أو من داخل حزب الاستقلال. وهنا تبرز فرضية عودة الصراع بين أجنحة مختلفة، بعضها من ذات البيت السياسي الذي بناه حمدي لسنوات، وبعضها من خصوم ظلوا ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض.
لقد سمح أسلوب حمدي القائم على “الهيمنة المطلقة” بتسريع وتيرة المشاريع التنموية، لكونه لم يترك مجالاً للمعارضة كي تعرقل برامجه. لكن هذه المعادلة قد تتحول إلى هشاشة خطيرة في حال غيابه عن المشهد السياسي. فالتعددية السياسية المغيبة قد تعود بقوة، لكن ليس بالضرورة في شكل تنافس صحي، بل ربما في شكل صراع على النفوذ والمصالح بين قوى سياسية اخرى تسعى.
أما مدينة العيون، فقد لا تستمر بنفس الدينامية دون شخصية قوية قادرة على ربط القرار السياسي بالمشاريع التنموية. فالتاريخ، بلا شك، سيحتفظ باسم حمدي ولد الرشيد كرجل نقل العيون إلى مستوى غير مسبوق تنموياً، لكن استدامة هذه الطفرة ستبقى رهينة بقدرة خلفه على مواصلة النهج نفسه، أو بظهور زعيم جديد يملأ ذلك الفراغ، خاصة وان حمدي ولد الرشيد كان حكيم في اختيار محيطه و حاشيته التي لعبت دوراً اساسيا. عكس ابنه محمد الذي يرى بعض ان حاشيته ضعيفة ولا تملك الرؤية ولا الابداع مما قد يهدد تموقعه السياسي كخلف لوالده الداهية.
لا يمكن إنكار أن حمدي ولد الرشيد صنع لنفسه مكانة استثنائية في المشهد السياسي بالصحراء المغربية، وجعل اسمه يقترن بالتنمية والاستقرار بمدينة العيون. لقد أثبت أن الزعامة ليست مجرد منصب، بل شبكة من التحالفات والقدرة على فرض الإيقاع.
ومع ذلك، فإن هذا النجاح ارتبط أيضاً باحتكار شبه مطلق للمجالين السياسي والاقتصادي، ما أضعف التعددية وخلق تبعية مفرطة لشخص واحد. لذلك، فإن غياب الرجل او اعتزاله قد يفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة السياسية بالصحراء المغربية، لكن من الصعب الجزم بأن أي شخصية أخرى ـ سواء من العائلة أو من الحزب ـ ستستطيع أن تحل محله بنفس الكاريزما والقدرة على ضبط التوازنات في مدينة كمدينة العيون القلب النابض للصحراء المغربية.
ويبقى السؤال مفتوحاً .. هل ستنجح العيون في الحفاظ على مسارها التنموي بدون الرجل الذي صنع معالمها الحديثة؟ أم أن غيابه سيكشف أن تجربة حمدي ولد الرشيد لم تكن مجرد صفحة سياسية، بل كانت “العنوان الكبير” لتاريخ مرحلة كاملة بالصحراء المغربية؟



















