الصحراء المغربية .. بين دينامية “التحيين” والوساطة الأمريكية المتجددة

8 يناير 2026
الصحراء المغربية .. بين دينامية “التحيين” والوساطة الأمريكية المتجددة

نخب الصحراء – بثينة ساريد

​يدخل ملف الصحراء المغربية منعطفاً جديداً يتسم بالحركية الدبلوماسية المكثفة، حيث يسعى المغرب إلى تحيين عرض الحكم الذاتي ليتلاءم مع التحولات الجيوسياسية المتسارعة. هذا التحديث لا يمس جوهر المبادرة التي طُرحت عام 2007، بل يهدف إلى تعزيز قابليتها للتنزيل العملي كإطار واقعي وبراغماتي وحيد لتسوية النزاع تحت السيادة المغربية؛ وهو التوجه الذي بات يلقى دعماً متزايداً من قوى دولية وازنة رأت في المقترح المغربي أساساً متيناً للاستقرار.
​وفي خضم هذا الحراك، تبرز واشنطن كفاعل محوري يبدي رغبة واضحة في هندسة مسار تفاوضي أكثر مباشرة وفعالية. ويبدو أن الولايات المتحدة، مستفيدة من ثقلها الدبلوماسي وعلاقاتها الاستراتيجية مع كافة الأطراف، تسعى لإحداث خرق ملموس في ظل الجمود الذي طبع جولات التفاوض الأممية التقليدية، وتراجع قدرة بعثة المينورسو على صناعة فارق سياسي حقيقي.
​ويرى مراقبون أن الانخراط الأمريكي المرتقب ليس بديلاً عن الآلية الأممية بقدر ما هو محرك إضافي لها. فالمؤشرات المتداولة تفيد بأن واشنطن تطمح لقيادة مفاوضات تتسم بمرونة أكبر وتركز على النتائج، دون أن ترتهن للتعقيدات الإجرائية للمسارات التقليدية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الشرعية الدولية. وتندرج هذه المقاربة ضمن رؤية أمريكية شاملة تهدف إلى تثبيت الاستقرار في منطقة شمال إفريقيا والساحل، عبر ربط الحلول السياسية بفرص التنمية والأمن الإقليمي.
​على المستوى الداخلي، ينظر المغرب إلى عملية استكمال المخطط الجديد باعتبارها تحييناً مؤسساتياً يستثمر في المكتسبات المحققة على الأرض. فالتطور الذي شهده نموذج الجهوية المتقدمة، والنجاحات التنموية في الأقاليم الجنوبية، فضلاً عن نضج التمثيلية السياسية المحلية، كلها عناصر تمنح المقترح المغربي عناصر إضافية من الوضوح والقوة عند عرضه في المحافل الدبلوماسية، بما ينسجم مع قرارات مجلس الأمن التي تشدد على “الحل السياسي الواقعي والدائم”.
​إن هذا التلاقي بين الدينامية المغربية والحركية الأمريكية يفتح آفاقاً جديدة لتسريع وتيرة الاستثمار الاستراتيجي في الصحراء، عبر توسيع صلاحيات التدبير الذاتي وربطها بالتنمية المستدامة. وبذلك، يكرس المغرب مقاربته التي تزاوج بين التمسك بالسيادة الوطنية والانفتاح على الحلول الدولية المبتكرة.
​تأسيساً على هذه المعطيات، يبدو أن ملف الصحراء قد دخل مرحلة دقيقة تتقاطع فيها إرادات دولية كبرى مع رهانات الأمن الإقليمي. ومع ترقب ما ستسفر عنه الأسابيع والأشهر المقبلة، تظل الأنظار شاخصة نحو طبيعة التسوية المحتملة التي قد تنهي عقوداً من النزاع المفتعل.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *