هل ينجا الخطاط حزبٌ قائم بذاته؟!.. رحيل الأتباع يطرح السؤال الصعب .. منطق القناعة أم حسابات المصلحة ؟

منذ 3 ساعات
هل ينجا الخطاط حزبٌ قائم بذاته؟!.. رحيل الأتباع يطرح السؤال الصعب .. منطق القناعة أم حسابات المصلحة ؟

نخب الصحراء – كريم تكنزا | مدير النشر

في مشهد يختزل جانباً مقلقاً من واقع الممارسة السياسية بجهة الداخلة–وادي الذهب، تبدو الأحزاب السياسية أمام سؤال أكبر من مجرد تغيير الانتماء الحزبي: هل ما زال الانتماء للأفكار والمشاريع والبرامج، أم أن الولاء للأشخاص أصبح هو المحدد الحقيقي للخريطة السياسية؟

السؤال يفرض نفسه بقوة بعد التحولات السياسية التي عرفتها الجهة، وفي مقدمتها مغادرة ينجا الخطاط لحزب الاستقلال، وما أعقب ذلك من التحاق عدد من الوجوه السياسية والمنتخبين به في حزب الأصالة والمعاصرة.

مغادرة الخطاط لحزب الاستقلال يمكن أن تكون لها أسبابها وحساباتها السياسية والتنظيمية، خصوصاً في ظل ما أثير من توترات وصراعات مع قيادات داخل الحزب. لكن ما يستحق التوقف عنده ليس قرار الرجل في حد ذاته، وإنما ما حدث بعده.

فعدد من الأشخاص الذين غادروا حزب الاستقلال لم يكونوا بالضرورة طرفاً في تلك الخلافات، ولم يكونوا في قلب الصراع التنظيمي الذي دفع بالخطاط إلى مغادرة الحزب. ومع ذلك، اختاروا اللحاق به إلى وجهة حزبية جديدة.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية… ماذا يعني أن يغادر منتخب أو برلماني حزباً ظل لسنوات يدافع عن اختياراته وشعاراته ومؤسساته، لمجرد أن شخصية سياسية غادرت ذلك الحزب؟ هل تغيرت القناعة السياسية فجأة؟ هل تغيرت المرجعية الفكرية؟ هل تبدلت البرامج والمبادئ؟ أم أن الذي تغير ببساطة هو الشخص الذي تتجه إليه البوصلة؟

إذا كان الانتماء الحزبي مبنياً على القناعة، فمن الطبيعي أن يراجع السياسي مواقفه وأن يغير حزبه عندما يقتنع بأن مشروعاً آخر أقرب إلى أفكاره. لكن عندما يتحول الانتقال الجماعي من حزب إلى آخر إلى ظاهرة مرتبطة بخروج شخص واحد، فإن الأمر يستحق قراءة أعمق من مجرد “الترحال السياسي”… لأننا أمام سؤال صادم:

هل أصبح ينجا الخطاط، بالنسبة لبعض أتباعه السياسيين، أقوى من الحزب الذي كانوا ينتمون إليه؟ وهل تحولت العلاقة من الانتماء إلى مؤسسة سياسية إلى نوع من الولاء الشخصي؟ الأخطر أن هذا السلوك لا يضر بصورة السياسيين فقط، بل يضرب في العمق هيبة الأحزاب نفسها.

فالحزب الذي يفقد مناضليه ومنتخبيه بمجرد مغادرة شخصية نافذة، يكشف عن خلل عميق في قدرته على بناء تنظيم مستقل عن الأشخاص. والحزب الذي لا يستطيع أن يجعل العضو مقتنعاً بمشروعه، لا أن يكون تابعاً لزعيم أو منتخب أو شخصية نافذة، يصبح معرضاً في كل محطة انتخابية لإعادة تشكيل خريطته وفق حركة الأشخاص لا وفق قوة الأفكار.

وهنا يظهر سؤال آخر أكثر إزعاجاً:

هل فشلت الأحزاب في تكوين مناضلين، أم أن المؤسسات الحزبية نفسها أصبحت عاجزة عن صناعة الانتماء السياسي؟ فالمناضل الحقيقي لا يفترض أن يغيّر قبعته السياسية كلما غيّر زعيمه وجهته. والسياسي الذي يحمل مشروعاً وموقفاً واضحاً يفترض أن يكون قادراً على شرح أسباب انتقاله للرأي العام: ما الذي تغير؟ ما الذي دفعه إلى مراجعة قناعته؟ وما الذي وجده في الحزب الجديد ولم يجده في الحزب السابق؟

أما أن يتحول المشهد إلى انتقال جماعي خلف شخصية واحدة، دون نقاش فكري أو سياسي واضح، فإن ذلك يجعل المواطن أمام صورة شديدة القسوة عن واقع السياسة المحلية.

أحزاب تتغير، قبعات تتبدل، لكن الولاءات تبقى للأشخاص. وهنا لا يعود السؤال : إلى أي حزب ينتمي هؤلاء؟ .. بل يصبح السؤال: لمن ينتمون فعلاً؟ للحزب؟ للمشروع؟ للمبادئ؟ أم للشخص الذي يستطيع أن يضمن لهم موقعاً داخل المعادلة السياسية؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للديمقراطية المحلية ليس اختلاف السياسيين، ولا حتى انتقالهم بين الأحزاب، وإنما تحول الأحزاب إلى أوعية انتخابية مؤقتة، بينما يصبح الشخص هو المؤسسة الحقيقية.

وفي هذه الحالة، تصبح الشعارات الحزبية مجرد واجهة، وتتحول المرجعيات السياسية إلى قبعات قابلة للتبديل، بينما يبقى الهدف الحقيقي هو الحفاظ على الموقع والنفوذ والامتيازات.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن بعض هؤلاء قد يكونون بالأمس القريب في الصفوف الأمامية للدفاع عن حزبهم، ومرجعياته، وقياداته، وخياراته السياسية، قبل أن يتحولوا في ظرف وجيز إلى مدافعين عن حزب آخر، فقط لأن الشخصية التي يتبعونها غيرت العنوان… فهل كانت القناعة السابقة حقيقية؟ أم أن القناعة كانت مرتبطة بمكان الشخص داخل الخريطة؟

فاستمرار هذا السلوك الصبياني من الممارسة السياسية يضع الأحزاب، قبل السياسيين، أمام مسؤولية تاريخية. لأن الحزب الذي لا يستطيع بناء مناضل مستقل في تفكيره وموقفه، ويكتفي ببناء شبكة من الأتباع حول شخصيات نافذة، لا يمكنه أن يتحدث طويلاً عن الديمقراطية الداخلية أو تجديد النخب… فالسياسة ليست نادي مشجعين، والمناضل ليس مشجعاً ينتقل مع فريقه أينما انتقل قائده.

السياسة قناعة، والأحزاب مؤسسات، والولاء فيها يفترض أن يكون للمشروع قبل الشخص.

أما حين يصبح انتقال شخص واحد كافياً لتحريك جماعة كاملة من حزب إلى حزب، فإننا لا نكون أمام قوة سياسية لشخص بعينه فقط، بل أمام ضعف مؤسساتي للأحزاب التي سمحت أصلاً بتكوين هذه التبعية.

والأخطر من ذلك أن المواطن، الذي يُطلب منه في كل موسم انتخابي أن يثق في البرامج والشعارات، يجد نفسه أمام سياسيين يبدلون مواقعهم أسرع مما تتغير البرامج الانتخابية. وهنا يصبح من حق المواطن أن يسأل، بكل صراحة.. إذا كان السياسي يغيّر حزبه عندما يغيّر زعيمه موقعه، فماذا بقي من القناعة السياسية؟

قد يكون ينجا الخطاط قد اختار مساره السياسي وفق حساباته وقناعاته، وهذا حق سياسي لا جدال فيه. لكن ما يستحق المساءلة فعلاً هو سلوك الذين يتبعون الأشخاص بدل المؤسسات، وكيف تحولت العلاقة بين بعض المنتخبين والقيادات إلى علاقة ولاء تتجاوز الحزب نفسه.

وفي النهاية، فإن المشهد لا يقدم انتصاراً لحزب على آخر بقدر ما يكشف أزمة أعمق: أزمة أحزاب لم تنجح دائماً في تحويل المناضل إلى مواطن سياسي مستقل، وأزمة نخب اختارت في بعض الحالات أن تجعل الشخص أقرب إليها من الفكرة.

وحين يصبح الولاء للشخص أقوى من الولاء للمؤسسة، تفقد الأحزاب هيبتها، وتفقد السياسة معناها، ويصبح المواطن مجرد متفرج على لعبة تغيير القبعات.

السؤال الذي سيبقى معلقاً: هل نحن أمام أحزاب سياسية حقيقية، أم أمام شبكات انتخابية تتبدل ألوانها كلما تبدلت موازين القوة؟

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة