برامكة الصحراء .. عائلات تتوارث السياسة والنفوذ وتستفيد من كل شي !

19 أغسطس 2026
برامكة الصحراء .. عائلات تتوارث السياسة والنفوذ وتستفيد من كل شي !

نخب الصحراء | كريم تكنزا : مدير النشر


في التاريخ السياسي، كثيراً ما يتحول النفوذ من نعمة إلى نقمة، حين يتجاوز حدود التأثير الطبيعي ليصبح سلطة موازية للدولة ومؤسساتها. ولعل قصة البرامكة في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، واحدة من أشهر الأمثلة التي تختصر هذا التحول.

فقد استطاعت عائلة البرامكة، بفضل قربها من الخليفة، أن تبني نفوذاً واسعاً داخل دواليب الحكم، وأن تتغلغل في مفاصل الإدارة والاقتصاد والسياسة، حتى أصبح حضورها يتجاوز حدود الوظيفة والمشورة إلى نفوذ سياسي واقتصادي كبير، لكن ذلك النفوذ لم يكن أبدياً.

ففي لحظة سياسية حاسمة، قرر هارون الرشيد وضع حد للصعود المتسارع للبرامكة، فأمر باعتقال جعفر البرمكي وعدد من أفراد أسرته، وانتهى الأمر بتفكيك واحدة من أقوى شبكات النفوذ في الدولة العباسية. ومن هنا ارتبط اسم العائلة تاريخياً بما عُرف بـ “نكبة البرامكة”؛ أي السقوط المفاجئ لنفوذ سياسي وعائلي بدا، قبل ذلك، عصياً على الانكسار.

من بغداد إلى الصحراء.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

بعيداً عن إسقاط أحداث التاريخ حرفياً على الواقع، فإن المشهد السياسي بالأقاليم الجنوبية يطرح، اليوم، أسئلة تستحق التأمل حول ظاهرة تراكم النفوذ داخل بعض العائلات السياسية والاقتصادية.

غير أن المتتبع للشأن المحلي لا يلاحظ، في الواقع، بروز نخب جديدة بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل يرى استمرار نفس العائلات ونفس الأسماء التي تهيمن على المشهد السياسي. فالمشهد ومع بروز لوائح الترشيحات لم يعرف تجديداً فعلياً للنخب، بقدر ما يعرف إعادة تدوير للوجوه نفسها، مع اختلافات شكلية مرتبطة بتبدل الانتماءات الحزبية وتغيير “ألوان” الأحزاب.

ففي عدد من المدن بالصحراء، برزت عائلات استطاعت، على مدى سنوات، بناء حضور قوي داخل المجالس المنتخبة، والأحزاب السياسية، والأنشطة الاقتصادية، حتى أصبح اسم العائلة في بعض الحالات مرتبطاً بشكل مباشر بالخريطة الانتخابية والسياسية للمنطقة.

الأمر لا يتعلق، بالضرورة، بعائلة بعينها أو بشخص محدد، وإنما بظاهرة تستحق النقاش .. ماذا يحدث عندما يتحول النفوذ السياسي من حضور فردي إلى إرث عائلي ؟

فحين يدخل الأب إلى السياسة، ثم يلتحق الأبناء بالمجالس المنتخبة، وتظهر أسماء أفراد الأسرة في مواقع حزبية وانتخابية متتالية، يجد الناخب نفسه أمام مشهد سياسي تتحكم فيه الأسماء ذاتها جيلاً بعد جيل، مع تغييرات سطحية لا تمس جوهر التوازنات، مما يطرح سؤالاً حول مدى واقعية الحديث عن “نخب جديدة” في ظل استمرار نفس البنية التقليدية.

حين يصبح النفوذ شبكة متكاملة

الأكثر إثارة للانتباه هو عندما تتقاطع السياسة مع الاقتصاد، فتتشكل شبكات نفوذ قادرة على التأثير في أكثر من مجال في الوقت نفسه.

وهنا يصبح النقاش أكبر من مجرد انتخابات أو تنافس حزبي، إذ يتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطة والمال والانتخابات والبنى المحلية التقليدية، ومدى قدرة المؤسسات والقوانين على ضمان تكافؤ الفرص أمام مختلف الفاعلين.

فالاقتصاد، في النهاية، يحتاج إلى المنافسة، والسياسة تحتاج إلى التداول، والمجالس المنتخبة تحتاج إلى دماء جديدة…، بينما تحتاج الديمقراطية المحلية إلى تعددية حقيقية في النخب، لا إلى إعادة إنتاج نفس الفاعلين تحت مسميات حزبية مختلفة.

ولذلك فإن دعوات الرباط المتكررة إلى تجديد النخب لا ينبغي أن تبقى حبسة الخطاب، بل يفترض أن تتحول إلى ممارسة سياسية حقيقية تفتح المجال أمام الشباب والطاقات الجديدة…، بدل الاكتفاء بتغيير الواجهات مع بقاء نفس العائلات.

هل بدأت مرحلة إعادة ترتيب الأوراق؟

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبدو الخريطة السياسية في الصحراء أمام مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات وموازين القوة.

وجوه قديمة تعيد تموقعها داخل أحزاب مختلفة، وأسماء معروفة تحافظ على حضورها، وأحزاب تعيد تدوير نفس الفاعلين داخل هياكلها، في وقت أصبح فيه الناخب أكثر قدرة على مقارنة الوعود بالحصيلة.

وفي هذا السياق، قد يكون السؤال الحقيقي ليس : من يملك النفوذ اليوم؟ بل.. إلى أي حد تغيرت فعلاً موازين القوة، أم أننا أمام إعادة إنتاج لنفس المشهد بأدوات حزبية مختلفة؟

فالتاريخ السياسي يعلمنا أن أقوى شبكات النفوذ ليست بالضرورة الأكثر خلوداً، لكن استمرارها قد يأخذ أشكالاً جديدة تتكيف مع التحولات الشكلية دون أن تفقد جوهرها.

ليست المقارنة بين “البرامكة” في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وبعض العائلات النافذة في الصحراء حكماً مسبقاً على أحد، ولا تعني أن التاريخ يعيد نفسه بالحرف. لكنها تفتح نافذة للتأمل في قاعدة سياسية قديمة: حين يصبح النفوذ أكبر من المؤسسات، يصبح تغييره أكثر تعقيداً مما يبدو في الخطاب السياسي.

وبينما تستعد الصحراء لاستحقاقات انتخابية جديدة، يبقى السؤال مفتوحاً : هل نحن أمام استمرار لنفس العائلات والأسماء مع تغييرات حزبية شكلية، أم أن تحولات أعمق ستفرض نفسها مستقبلاً؟

فاستمرار هيمنة بعض العائلات على المشهدين السياسي والاقتصادي بالصحراء أصبح عاملاً يساهم في تمييع الحياة العامة وإبطاء ديناميتها. فحين يتركز القرار الاقتصادي في دائرة ضيقة، لا ينعكس أثر النمو إلا على أبناء هذه الدوائر، وحين تُختزل السياسة في نفس الأسماء المتداولة، تصبح المصلحة العامة رهينة لمصالح محدودة لا تعكس تطلعات الساكنة.

ومن هذا المنطلق، تبدو ضرورة تقليص نفوذ بعض العائلات النافذة خياراً أساسياً لبناء بيئة سياسية واقتصادية أكثر توازناً، قادرة على خلق تكافؤ حقيقي للفرص، وفتح المجال أمام نخب جديدة قادرة على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، وتحريك عجلة الاقتصاد بشكل أوسع وأكثر عدالة.

فالاقتصاد، وفق ما تشير إليه العديد من المؤشرات والإحصاءات الرسمية، مهما حقق من نسب نمو، لا ينعكس دائماً على عموم الساكنة بقدر ما يتركز أثره في دوائر ضيقة تستفيد من الامتيازات والتموقعات، وهو ما يعمق الفوارق ويكرس حالة من الركود الاجتماعي والاقتصادي.

وبالتالي، فإن إعادة التوازن إلى المشهد تقتضي إعادة النظر في طبيعة توزيع النفوذ، بما يضمن انتقالاً تدريجياً نحو فضاء سياسي واقتصادي أكثر انفتاحاً، حيث تكون الكفاءة والتمثيلية الحقيقية هما معيار الصعود، لا الانتماء العائلي أو الامتداد التقليدي.

قد لا تكون هذه التحولات سهلة أو سريعة، لكنها تظل شرطاً أساسياً لأي نهضة حقيقية، قادرة على كسر دوائر الركود وفتح أفق جديد أمام الصحراء وساكنتها.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة