الأموال تترعرع على الورق … ميزانية مجلس جماعة بوجدور بين توصيات الداخلية وإجماع يثير الشك

24 يناير 2026
الأموال تترعرع على الورق … ميزانية مجلس جماعة بوجدور بين توصيات الداخلية وإجماع يثير الشك

نخب الصحراء – لرباس الركيبي

في وقت تؤكد فيه وزارة الداخلية، عبر دوريات رسمية وتوجيهات متكررة، على ضرورة ترشيد النفقات وعقلنة التسيير، وربط الميزانية بحاجيات الساكنة، تكشف وثيقة، تحصلت جريدة نخب الصحراء بنسخة منها، المخصصة لجدول أعمال لجنة الميزانية والشؤون المالية والبرمجة بجماعة بوجدور عن مفارقات مقلقة، لا تتعلق فقط بحجم الأرقام، بل أيضاً بكيفية المصادقة عليها.

الوثيقة الخاصة ببرمجة وتعديل ميزانية سنة 2026، تتضمن مبالغ وُصفت من طرف متتبعين للشأن المحلي بـ“الخيالية”، وتستدعي، من حيث المبدأ، نقاشاً معمقاً وجاداً، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على مستقبل المدينة واختياراتها التنموية.

ورغم حساسية الأرقام المدرجة، تؤكد المعطيات الواردة في محضر الاجتماع أن أشغال لجنة الميزانية انتهت في مدة لم تتجاوز ساعة واحدة، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى كفاية هذا الزمن لمناقشة عشرات الملايين من السنتيمات، تعديلات جوهرية في ميزانية التسيير، وأولويات الصرف في مدينة تعاني خصاصاً بنيوياً.
فهل يمكن فعلاً الحسم في ميزانية بهذا الحجم وبهذه الانعكاسات، في جلسة خاطفة لا تتعدى ستين دقيقة؟

الأكثر إثارة للانتباه هو أن الوثيقة سُجلت فيها مصادقة بالإجماع دون أي معارضة أو تحفظ يُذكر، وهو ما يفتح باب التأويل على مصراعيه، هل نحن أمام انسجام مؤسساتي نادر؟ أم أمام غياب فعلي للنقاش والمساءلة داخل اللجنة؟ أم أن الأعضاء لم يمارسوا دورهم الرقابي كما يفرضه القانون وروح المسؤولية ؟

في الأنظمة الديمقراطية المحلية، يُفترض أن تكون لجان الميزانية فضاءً للاختلاف، للتدقيق، ولطرح الأسئلة الصعبة، لا مجرد محطة تقنية لتمرير الأرقام في وقت وجيز، ومن بين أبرز ما شد الانتباه في الوثيقة، الغلاف المالي المخصص لاقتناء عتاد وأثاث المكتب، والذي بلغ حوالي 700 ألف درهم أي سبعين مليون السنتيم، إضافة إلى 300 ألف درهم موجهة لنفقات مرتبطة بالبناء، وهو رقم يوازي أو يتجاوز ما خُصص لاقتناء السيارات والدراجات النارية، المقدَّر بحوالي 500 ألف درهم اي خمسين مليون السنتيم.

ويطرح هذا المعطى سؤالاً مشروعاً.. كيف يعقل أن تفوق كلفة المكاتب والكراسي والتجهيزات الإدارية وسائل التنقل والخدمات الميدانية؟ وهل يتعلق الأمر بحاجيات فعلية أم فقط بإعادة توزيع تقنية لبنود الميزانية؟


الوثيقة تشير كذلك إلى ارتفاع لافت في المبالغ المخصصة لأجور الأعوان العرضيين، والتي بلغت أربعة ملايين درهم اي ربعمية مليون السنتيم، إضافة إلى زيادات جديدة في التعديل المقترح، وهو ما يجعل هذا البند من بين الأعلى كلفة في ميزانية التسيير.

ورغم أهمية الأعوان العرضيين في السير اليومي للجماعة، إلا أن تضخم هذا الرقم يفتح نقاشاً حول، نجاعة التوظيف المؤقت وغياب رؤية واضحة للإدماج أو التكوين، وهل فعلاً هذه الكلفة تنعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدمة للمواطن البوجدوري؟

في المقابل، تعيش مدينة بوجدور اختلالات عميقة، أبرزها: ضعف العرض الصحي وغياب تخصصات طبية أساسية، تفشي البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، تدهور البنيات التحتية ببعض الأحياء الهامشية…

وهو ما يجعل الرأي العام المحلي يتساءل:
هل تعكس هذه الميزانية أولويات الساكنة أم أولويات الإدارة؟ وأين نصيب القطاعات الحيوية من هذه الأرقام “السخية”؟

من الناحية القانونية، قد تكون الوثيقة مجرد تفريق محاسباتي للميزانية، يخضع لمقتضيات التنظيم المالي للجماعات الترابية، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في المشروعية، بل في الملاءمة والاختيار السياسي.

فالميزانية ليست مجرد أرقام، بل مرآة لسياسة عمومية، تعكس تصوراً للتنمية المحلية، وتحدد من المستفيد الحقيقي من المال العام. وأمام هذه المعطيات، يظل النقاش العمومي حول ميزانية مجلس جماعة بوجدور ضرورة ملحة، ليس من باب التشهير أو الاتهام، بل من باب الحق في الحصول على المعلومة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وطرح سؤال الأولويات في مدينة ما زالت تبحث عن تنمية حقيقية تلامس هموم سكانها وأحلام شبابها.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *