حاشية السياسيين بالصحراء .. سرطان صامت ينخر مشاريع التنمية من الداخل … فمن هؤلاء !!

منذ 5 ساعات
حاشية السياسيين بالصحراء .. سرطان صامت ينخر مشاريع التنمية من الداخل … فمن هؤلاء !!

نخب الصحراء – كريم تكنزا

لا يمكن فهم ديناميات التدبير المحلي والسياسي في منطقة الصحراء دون الغوص في بنية غير مرئية، لكنها شديدة التأثير، بنية تشكل “القرار السياسي” يصطلح عليها بـ “الحاشية”. وإذا كانت الحاشية ظاهرة ملازمة للسلطة عبر التاريخ، فإنها في السياق الصحراوي تكتسي أبعاداً سوسيو-سياسية خاصة، تحولها من مجرد بطانة استشارية إلى ما يشبه “الورم الصامت” الذي يتغذى على شرايين التنمية ويُعيق تقدم المنطقة.

فمن هم هؤلاء “الفاعلون في الظل”؟ وكيف يمارسون سلطتهم؟ ولماذا تتحول الحاشية في الصحراء إلى عائق بنيوي أمام التغيير؟

هذه الحاشية في السياق الصحراوي لا تمثل نخبة من ذوي الكفاءات الاستثنائية، بل هي توليفة هجينة وعجيبة تجمع ببراعة بين “التقنية الحديثة” و”التقليدانية النفعية”. فهذا البنيان الخفي يتسع ليضم موظفين عموميين، ومهندسين، وفقهاء دين، وحتى دجالين ومشعوذين… في مفارقة تعكس رغبة الفاعل السياسي في تحصين نفوذه على كل المستويات، فالتقنيون والموظفون يمسكون بمفاتيح الصفقات والميزانيات ويوجهونها لخدمة استمرار النفوذ المالي، بينما يمنح الفقهاء غطاءً من الشرعية الرمزية والأخلاقية وسط مجتمع محافظ، في حين يُستدعى المشعوذون لتسكين “قلق السياسي” السيكولوجي وتأمين مكانه ضد الخصوم بقنوات غيبية وغبية في نفس الوقت…. وبناءً على هذه التركيبة، يصبح معيار الترقي والقرب داخل هذا الكيان هو التملق والولاء الأعمى لا الحنكة والكفاءة، مما يؤدي تلقائياً إلى عزل الكفاءات الحقيقية وإقصائها، ورهن القرار التنموي بمصالح فئة لا يهمها سوى الحفاظ على تموقعها وترواثها…

وتكمن الخطورة البنيوية لهذه الفئة في كونها تتحرك في “المنطقة الرمادية” الفاصلة بين السياسي والساكنة، مشكّلةً ما يمكن تسميته بـ “حواس المسؤول” لكنها حواس مشوهة وانتقائية. هذه الحاشية التي تمارس سلطتها عبر آلية الفلترة واحتكار المعلومة، حيث تضرب جداراً سميكاً حول السياسي لتصبح الممر الإجباري الوحيد إليه، مما يتيح لها صياغة تقارير “ممكيجة” تحجب نبض الشارع الحقيقي وأنّات المواطنين… من هنا، تُدشّن الحاشية عملية صناعة الوعي الزائف للسياسي، وتوهمه بأنه المنقذ الأوحد، وأن كل نقد يوجه إلى تدبيره ليس إلا مؤامرة من الخصوم، مما يدفع بالسياسي إلى العيش في برج عاجي منفصل تماماً عن الواقع المتردي.

هذا الانفصال يترجم سريعاً على أرض الواقع إلى كبح جماح التنمية، وتحويل القرب من مراكز القرار إلى آلية لمراكمة الثروات وإنتاج “ريع جديد”. وبدلاً من توجيه الميزانيات نحو المشاريع ذات الأثر الاجتماعي المستدام كالتعليم والصحة وتشغيل الشباب، تفصّل الصفقات والبرامج على مقاس مكاتب دراسات وشركات تدور في فلك هذا الكارتيل الخفي، ليتحول مفهوم التنمية إلى شعارات و”مكياج سياسي” يخدم الواجهة الإعلامية للمسؤول، بينما يُحرم الشباب والنخب الصاعدة من فرص حقيقية للمبادرة والابتكار بسبب تغلغل الزبونية والولاءات الضيقة.

وأمام هذا الواقع، وجب توجيه نصيحة صادقة وصادمة للسياسيين والكبار في المنطقة، فهؤلاء الذين يحيطون بكم ويحجبون عنكم رؤية الحقائق ليسوا سنداً لكم، بل هم سرطانات قاتلة تتحرك بعقلية بانتهازية لا يهمها نجاح مشروعكم السياسي ولا استقرار الساكنة، بل يبحثون بدقة عن مصالحهم الذاتية وتسمين ثرواتهم على حساب رصيدكم الشعبي والأخلاقي…، وسيكونون أول المغادرين لمركبكم عند أول عاصفة أو تغيير في موازين القوى.

وفي المحصلة، فإن معركة التنمية بالصحراء ليست فقط معركة موارد واستثمارات ومشاريع وبرامج سياسية..، بل هي قبل كل شيء معركة حكامة وجودة قرار سياسي. فتحول الحاشية إلى سلطة موازية تحتكر المعلومة وتعيد تشكيل الواقع وفق مصالحها، يجعل السياسي أسيراً لصورة مزيفة عن محيطه و واقعه، لتصبح التنمية رهينة لشبكات النفوذ والولاءات… لذلك، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تغيير الواجهات أو تجديد الخطاب، بل في كسر الحلقة المغلقة التي تصنعها هذه البطانة الإسترزاقية، وفتح قنوات مباشرة بين صناع القرار والمواطنين والكفاءات الحقيقية… وحده هذا المسار كفيل بتحرير القرار العمومي من قبضة المنتفعين، وإعادة توجيه بوصلة التنمية نحو خدمة أقاليمنا الجنوبية وتطلعاتها المشروعة في العدالة والكرامة والازدهار…

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة