نخب الصحراء – توندونس
في خضم الجدل الواسع الذي فجّرته التسريبات الأخيرة المرتبطة بشبهات التلاعب في الوعاء العقاري، سارعت جهات وأصوات متعددة إلى الخروج للدفاع أو التبرير أو مهاجمة المنتقدين، غير أن ما أثار الانتباه أكثر من مضمون تلك الخرجات، هو الشكل الذي ظهرت به بعض الوجوه الشابة المنحدرة من الأقاليم الجنوبية، والتي تحولت في ظرف ساعات إلى مادة دسمة للسخرية والضحك مما جعلنا امام تساؤل حول واقع التأطير السياسي والثقافي بالصحراء التي تتمدح به جل التنظيمات…
فبين جمل متعثرة، وعبارات مرتبكة، وخطابات يغيب عنها الحد الأدنى من الانسجام والإقناع، بدا واضحا أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد “ردود أفعال” على تسريبات متداولة، بل تعكس واقعا مقلقا تعيشه النخب الحزبية والسياسية التي يفترض أنها تضطلع بدور تأطير الشباب وصقل قدراتهم الفكرية والتواصلية.
المشهد كشف، دون رتوش او مكياج…، عن فراغ سياسي وثقافي كبير، وعن شباب وجد نفسه فجأة في واجهة النقاش العمومي الساخر دون تكوين حقيقي، أو وعي سياسي ناضج، أو حتى قدرة على الدفاع عن مواقف معينة بلغة مقنعة ومحترمة… والأخطر أن هذه الخرجات لم تنجح في الدفاع عن الأطراف التي حاولت تبريرها، بقدر ما فضحت مستوى الهشاشة التي تعاني منها بعض التنظيمات التي حولت الشباب إلى مجرد أدوات يتم الدفع بها عند الحاجة.
مصادر متطابقة تحدثت عن أن عددا من هؤلاء الشباب لم يخرجوا بمبادرات شخصية أو بدافع قناعة ذاتية، بل بتوجيهات وتعليمات من جهات ظلت مجهولة، وهو ما يطرح أسئلة خطيرة حول استغلال هشاشة الأوضاع الاجتماعية لبعض الشباب، والزج بهم في معارك أكبر منهم، فقط لتصفية حسابات أو محاولة التأثير على الرأي العام.
والأخطر في كل هذا، أن بعض الأحزاب والتنظيمات التي ظلت لسنوات تتغنى بـ”تأطير الشباب” و”إعداد النخب”، سقطت اليوم في اختبار بسيط: القدرة على إنتاج شباب يمتلك الحد الأدنى من الوعي والثقافة السياسية والقدرة على التواصل. فكيف يمكن الحديث عن نخب قادرة على قيادة المستقبل، بينما الواقع يكشف عن شباب مرتبك، تائه، لا يمتلك أدوات التعبير، ويتم استغلاله في معارك ظرفية ؟
فما كشفته هذه الخرجات المرتبكة ما هو إلا جري إنذار حقيقي يضع الأحزاب السياسية بالصحراء أمام مساءلة مباشرة حول أدوارها الغائبة منذ سنوات… فالأحزاب كمؤسسات تأطيرية يفترض ان تكون بمثابة مدارس للتكوين والتوعية السياسية، الا ان الحال بالصحراء جعلها في كثير من الأحيان فضاءات مغلقة تدور داخلها نفس الوجوه ونفس الأسماء، بينما تُرك الشباب في الهامش يواجه الفراغ والتهميش والجهل دون مواكبة أو تأهيل حقيقي يضمن حقوقهم وكرامتهم.
وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه من زعماء الأحزاب بالأقاليم الجنوبية الاستثمار في الشباب وصناعة نخب شابة قادرة على النقاش والترافع والتأثير، انشغل كثيرون خلف السعي وراء الامتيازات والمواقع والنفوذ، تاركين خلفهم جيلا جاهلاً يتخبط خارج دوائر التكوين السياسي والثقافي… لذلك لم يكن غريبا أن تنكشف هشاشة بعض الخرجات الإعلامية الأخيرة التي كانت بمثابة ضربة قاضية للأحزاب، لأنها ببساطة عرّت واقع المؤسسات السياسية التي فقدت جزءا كبيرا من جوهرها اليوم ، وفشلت في خلق فضاءات حقيقية تحتضن الشباب وتصقل قدراتهم وتؤهلهم لتحمل المسؤولية.
أزمة أفراد تلعثموا أمام الكاميرا واصبحو مادة دسمة للسخرية والبهرجة… بات من الملح طرح أسئلة حوا ماهية الأحزاب السياسية ومن يتحكم فيها وهل اصبحت اداة لتجهيل عوض التأطير !! خرجات كشفت اليومة أزمة نخب وأحزاب استهلكت الزمن السياسي بالصحراء دون أن تنتج جيلا جديدا يمتلك الوعي والكفاءة والقدرة على التعبير والدفاع الرصين. وما لم تتم مراجعة هذا المسار، فإن مشهد “التلعتمية والسخرية” لن يكون سوى عنوان أولي لأزمة أعمق من التسريبات التي تضرب في عمق بنية العمل الحزبي والسياسي بالصحراء.


















عذراً التعليقات مغلقة