نخب الصحراء – كريم تكنزا
تشهد الساحة الإعلامية بالصحراء عامة وبمعقل الـBoss الإستقلالي خاصة ضجة واسعة بطلها وثائق مسربة مؤخراً عبر ما بات يُعرف بـ “تسريبات جبروت”، والتي استهدفت بالخصوص القطب الاستقلالي البارز حمدي ولد الرشيد وابنه محمد ولد الرشيد، كمحاولة لتصويب رصاصة سياسية بدقة نحو قلب النفوذ الأقوى في الصحراء المغربية.
ولتفكيك خلفيات هذا الحدث، لا يمكن الاكتفاء بقراءة اللحظة الراهنة، بل يفرض السياق العودة إلى الجذور التاريخية والسياسية لـعائلة “آل الرشيد”، وكيف تحول عرابها حمدي ولد الرشيد من رجل سلطة استقال من وزارة الداخلية سنة 2002، إلى “رقم صعب” لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تهم جنوب المملكة.
لعبت عائلة ولد الرشيد دائماً أدواراً محورية في تقريب المسافات بين المركز (الرباط) والامتداد الصحراوي. البداية كانت مع الزعيم السبعيني للعائلة خليهن ولد الرشيد، خريج مدرسة “سانتا هانا” بمدريد، الذي اتخذ سنة 1975 قراراً مفصلياً بمغادرة حزب “البونس” الإسباني وإعلان الولاء للملك الراحل الحسن الثاني رفقة الزعيم خطري ولد سيدي سعيد الجماني.
هذا الالتحاق الجماعي للأطر الصحراوية شكّل صدمة للمجتمع الدولي والخصوم، وأثبت مغربية الصحراء ميدانياً قبيل المسيرة الخضراء. كافأ القصر خليهن بتعيينه أول وزير صحراوي (مكلف بتنمية الأقاليم الجنوبية)، ثم رئيساً لبلدية العيون، وصولاً إلى تعيينه من طرف الملك محمد السادس سنة 2006 رئيساً للمجلس الاستشاري الملكي للشؤون الصحراوية (كوركاس).
هذه التركة السياسية الثقيلة كانت هي القاعدة التي انطلق منها حمدي ولد الرشيد سنة 2002 عندما طلق الإدارة الترابية (وزارة الداخلية) ليدخل غمار السياسة من بوابة حزب الاستقلال، مرسخاً تقسيماً ذكياً للأدوار داخل العائلة: خليهن للتمثيل الدبلوماسي والاستشاري عالي المستوى، وحمدي للسيطرة على الأرض والمجالس المنتخبة.
أكثر ما يزعج خصوم حمدي ولد الرشيد هو إتقانه لآليات “الهندسة السياسية” وقدرته على الاحتكار والتحكم في الخريطة الانتخابية للجهة. منذ اكتساحه لانتخابات 2003 وجلوسه على كرسي بلدية العيون، صاغ حمدي مفهوم الإدارة الشمولية للمنطقة.
نجح حمدي في وضع هندسة محكمة يتوزع فيها النفوذ؛ فهو في البرلمان والبلدية والكوركاس، وابن أخيه وصهره (حمدي ولد الرشيد) رئيساً للجهة، وابنه محمد ولد الرشيد عضواً في مجلس المستشارين واللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، بالإضافة إلى السيطرة على الغرف الفلاحية والمهنية عبر أذرعه السياسية كـ “مولود علوات… والعديد من الوجوه البارزة.
كما يمتلك حمدي حاضنة شعبية قوية بناها بذكاء؛ فهو يمارس سياسة القرب اليومي والميداني في شوارع العيون، واستطاع خلق شبكة أمان اجتماعي لآلاف العائلات عبر تقديم يد مبادرات إجتماعية عديد وايضا تقديم اكراميات مالية للأرامل بما يُعرف بـ “الكرطيات” (بطائق الدعم المباشر والإنعاش)، بالإضافة إلى تقربه من الشباب والإنصات الجيد لهمومه وتطلعاته… مما جعل الكتلة الناخبة تدين له بالولاء المطلق، محولاً الديمقراطية الانتخابية بالصحراء إلى قلعة استقلالية جد حصينة.
لم يتوقف طموح الـBoss الإستقلالي الذي اطلقت عليه صحيفة إسبانية لقب “داهية الصحراء”، حمدي ولد الرشيد فهم أيضاً أنه لا نفوذ سياسي مستدام دون درع اقتصادي قوي يحمي استمراريته. لذلك، أسس الإمبراطورية المالية هولدينغ “Myher”، الذي بات ينشط بقوة في قطاعات استراتيجية كالصيد البحري، العقار، والمحروقات…
هذا التزاوج بين المال والسياسة والولاء الشعبي حوّله إلى “صانع ملوك” داخل حزب الاستقلال بالرباط. فهو الذي هندس إسقاط حميد شباط بعدما انتهت صلاحيته السياسية، وهو الذي عبّد الطريق لـ نزار بركة للوصول إلى الأمانة العامة للحزب، مبرهناً لمركز القرار في الرباط أن “ميزان” حزب الاستقلال لا يزن ذهباً إلا بفضل أصوات ومقاعد الصحراء.
رغم الانتقادات التي توجّه له بخصوص الهيمنة واحتكار العقار، وهي المعركة الشهيرة التي قادها ضده مستشار الملك الحالي فؤاد عالي الهمة في عهد تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة حين توعد بـ “نزع آل الرشيد كما تنزع الأضراس”، إلا أن حمدي أثبت أنه عصي على الكسر.
تكمن قوته في كونه “وحدوياً شرساً” تفوق شجاعته أحياناً الأجهزة الرسمية. فقد وقف شخصياً ضد الطائرات الإسبانية التي تحمل متضامنين مع البوليساريو بمطار العيون، وقام بـ “مغربة” محيط مقر بعثة “المينورسو” بملء الشوارع بالأعلام المغربية رداً على إزالة العلم الوطني من فوق مقر البعثة.
كما كان المخاطب الصارم أمام الوفود الحقوقية الدولية، سواء تعلق الأمر بمقرر الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب خوان مانديز أو وفد مركز كينيدي، حيث واجههم بالقول إن “حقوق الإنسان لا تبرر تخريب المنشآت ورمي الحجارة”.
وفي الجانب التنموي، نجح حمدي في تحويل العيون من مجرد حاميات عسكرية ومدينة صحراوية بسيطة إلى قطب تنموي حديث عبر التطبيق المحكم لمشاريع النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015.
في ظل هذا النفوذ الممتد تاريخياً، وسياسياً، واقتصادياً، تظهر “تسريبات جبروت” كأداة حرب بالوكالة يسعى من خلالها خصوم ولد الرشيد، سواء في الداخل الحزبي أو المنافسين السياسيين بالمنطقة أو حتى جهات ضاقت ذرعاً بحجم هيمنته، إلى تحقيق أهداف متعددة.
تستهدف هذه التسريبات بالأساس إضعاف الموقف التفاوضي لحمدي ولد الرشيد في اللحظات السياسية الحاسمة، سواء خلال تشكيل المكاتب السياسية أو في سياقات التعديلات الحكومية، وإظهاره بمظهر المستهدف قانونياً لإجهاد قوته السياسية.
كما أن استهداف الابن محمد ولد الرشيد بالتزامن مع الأب يمثل محاولة واضحة لقطع الطريق على استمرار “السلالة السياسية” للعائلة داخل حزب الاستقلال وفي مجالس الصحراء، وإرباك عملية انتقال القيادة الهادئة داخل العائلة.
وتسعى هذه الحملة الممنهجة أيضاً إلى خلق شرخ بين العراب وقاعدته الشعبية أو نخب الدولة بالرباط، عبر إعادة إحياء سيناريوهات قديمة فشلت في السابق، بهدف خلق مساحات جديدة لتقاسم النفوذ بالصحراء.
تؤكد القراءة التحليلية لمسار حمدي ولد الرشيد أن الرجل لم يعد مجرد منتخب محلي أو فاعل حزبي عابر، بل تحول إلى مركز ثقل سياسي قائم بذاته، راكم نفوذه من التاريخ العائلي، والامتداد الشعبي، والقدرة على ضبط توازنات الصحراء المعقدة. ومن هذا المنطلق، تبدو “تسريبات جبروت” أقرب إلى معركة كسر عظام سياسية تُدار في الظل، أكثر من كونها مجرد عملية كشف أو تسريب معلومات.
فالخصوم يدركون جيداً أن إسقاط رجل بحجم حمدي ولد الرشيد عبر صناديق الاقتراع يكاد يكون مستحيلاً في ظل شبكاته المتجذرة ونفوذه المتشعب، لذلك يجري نقل المعركة إلى ساحات أخرى: التشهير، والضغط الإعلامي، ومحاولة زعزعة ثقة الدولة في الرجل الذي ظل لعقود أحد أبرز مهندسي التوازن السياسي بالصحراء. غير أن التجارب السابقة أثبتت أن كل الحملات التي استهدفت آل الرشيد انتهت إلى نتيجة واحدة، زيادة منسوب حضورهم داخل معادلة السلطة والنفوذ، وتحويل كل محاولة استهداف إلى وقود جديد يعزز سردية “الرجل الذي لا يسقط”.


















عذراً التعليقات مغلقة