نخب الصحراء – مقالات الرأي
كباحثين في السياسات العمومية، نشتغل أكثر بالوثائق والبرامج الحكومية ومدى توافقها مع الواقع، أكثر من التسريبات حقيقية كانت أم وهمية.
عام 2015، أطلق الملك محمد السادس من مدينة العيون “البرنامج التنموي للأقاليم الجنوبية” بغلاف مالي أولي 77 مليار درهم. 7700 مليار سنتيم احتسبت لتنمية قرابة مليون إنسان (المعدل بين 2014 و2024)؛ بمتوسط 8 مليارات درهم كل عام. آجي دبا نشوفو فين مشات هذه الزبـ.ـالة من الكراميم، ونأخذ عاصمة الأقاليم الجنوبية نموذجا.
أول مظاهر التنمية، في جميع دول العالم، معدلات التشغيل ونسب البطالة. برسم عام 2025، تصدرت الجهات الجنوبية الثلاثة (العيون، الداخلة، كلميم) لائحة أكثر المناطق عطالة في البلاد بـ 23,5%، متجاوزة المعدل الوطني الكارثي بدوره؛ 13,1%؛ أليس من أهداف نموذج الأقاليم الجنوبية للتنمية خلق فرص شغل مستدامة للشباب؟!!
ما تم خلقه في العيون هو “امبراطورية” للنقل (السري/العلني) المسمى “كوير”. حيث سمحت السلطات للآلاف من الشباب استعمال هوندات كطاكسيات بتعريفة منخفضة (5 دراهم)، يشتغل أغلبها بالغاز، مع حالات كَرٍّ وفر بين السائقين ورجال السير والجولان، وغرامات تُثقل كاهل المساكين. حالة الريع دائما: استعمال الاقتصادي (لقمة العيش) للتحكم في ما هو سياسي (مصير البشر).
نأتي الآن للبنية التحتية، وهي على فكرة ليست دائما قناطر وساحات وجْرادي؛ البنية التحتية كذلك كل ما يمس الإنسان؛ من المستشفيات حتى المدارس، مرورا بقوانين وأرضيات العمل والاستثمار.
اسألوا في العيون كم من حامل مشروع واعد قدم من خارج المدينة ليضخ أموالا صحيحة، ليجد نفسه كُرة تتقاذفها الجماعة والولاية، حتى يمل ويغادر بخسائره، سابًّا اليوم الذي صدق فيه أن المغرب يشجع الاستثمارات. أما الأسباب فواحدة من اثنين؛
•إما قالوا ليه أصحاب الحال “اصبعنا تم” ندخلوا نص بالنص، أو حنا لي “نفورنيو ليك المواد الأولية”، ….
•إما منعوه بشكل مباشر أو عبر مضايقات حتى بدأ في مراكمة الخسائر، لأن “الضومين” مُحتكر ولا يجوز الاقتراب منه؛ عقار، إسمنت، مزارع،…وغيرهم الكثير.
نأتي الآن لما يسمى بالخدمات الاجتماعية؛ دورة صغيرة في مستشفى الدولة الإقليمي (الحسن بن المهدي) تُعطيك العربون. المستشفى الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود، حيث الأطباء (على ندرتهم) يشتغلون نصف يوم كالتعليم بل هم أخف، وحيث كل تدخل طبي له سعر (إلى حظوظ المريض تكون طالعة باش يخرج!!!) من الولادة حتى “التخياط”…وأنت صاعد.
المستشفى الجامعي بالمدينة، الذي انطلقت أشغاله منذ 2019، وكان مقررا الانتهاء منه في غضون 48 شهرا، لا يزال في مراحله الأخيرة!!!!
ورش، وبدل أن يكون متنفسا للساكنة وملاذا رحيما من جحـ.ـيم “بلمهدي”، سار بسرعة سلحفاتية وكان مرتعا آخر للريع، حيث يعين المسؤولين والنافذين أصحابهم وقبيلهم بالهاتف. وكإضافة، فلن ير المستشفى الموعود النور حتى يدخل “أكديتال” أموال استثماراته كاملة مكمولة؛ شنو زعما، الحيتان يضيعوا ففلوسهم؟!!!
التوظيف العمومي، الحق الدستوري لجميع الشباب على قدم المساواة، يتم تفصيله على مقاس الأهل والأقارب والقبيلة، وما تيسر من الكرمومة؛ اسألوا شباب المنطقة عن معايير ولوج والنجاح في المباريات؛ فين يبان كونكور وهبي”ولد من أنت” لولوج مهنة “مُحا مـ.ـات”!!!!
أخيرا وليس آخرا، وحتى ما يسمونه دعم مقاولات الشباب كفرصة وانطلاقة…، فلم (ولن) يمثلوا وسيلة للنهوض بالاقتصاد الحقيقي لمدينة يصفها شبابها بأنها “عايشة على سيروم الدولة”: الأموال المباشرة التي تضخ من المركز، جزء من عائدات السمك والفوسفات وبزاف ديال رواتب موظفي الدولة+ دوبل صولد!!
نهار يتحبس “السيروم”+ الريع والإعفاءات الضريبية العمياء، ماشي بعيد يسدوا الأبواب، ويقلعوا بجوزات سفرهم الحمراء صوب جزر كناري يقصدونها كلما اقترب الشهر التاسع للزوجة الحامل، لضمان البقاء الأبدي تحت كنف المستعمر القديم إسبانيا.
بالعودة للمقاولات الصغيرة، وأمام استحالة ولوج جميع القطاعات الحلوبة كباقي مناطق المغرب، لا يجد الشاب أو الشابة بديلا عن سناك، محلبة، أو بيزيريا. يستهلك مبالغ الدعم (فرصة، انطلاقة،…) خلال 6 أشهر الأولى، ليبدأ بعدها بتحسس “الصهد” فيُقفل بعد شهر أو شهرين، وكنا وكنتم، صرنا وصرتم.
واقع الاتكالية وانعدام الكفاءات كما الضمائر، وصل بالشباب حد الامتناع عن تقديم أي فكرة مشروع مهما كانت خلاقة أو مضمونة لأي جهة رسمية، مخافة تسليمه بالأسماء وأدق التفاصيل لأحد المقربين أو الأصهار. ليُمسك شابنا -شابتنا- المسكين(ة) المبدع(ة) في مصباح 90!!!!
كان هذا فيض من غيض، وما خفي أعظم…


















عذراً التعليقات مغلقة