نخب الصحراء – كريم تكنزا
تشهد الساحة السياسية بمدينة الداخلة تحولات عميقة تعكس مدى هشاشة البُنى التنظيمية لبعض الأحزاب، وعلى رأسها حزب الاستقلال، الذي يبدو أنه يفقد تدريجيًا قلعته التي شيّدها لسنوات تحت قيادة ينجا الخطاط. فالمراقب للمشهد المحلي لا يمكنه إلا أن يلحظ حجم التراجع الذي يعانيه الحزب، مقابل صعود قوي وملفت لحزب التجمع الوطني للأحرار، بقيادة محمد لمين حرمة الله، الذي بات رقما صعبا في المعادلة السياسية بالجهة.
التحول البارز تمثل في الطريقة التي استطاع بها “جناح الحمامة” ليس فقط إرباك حزب الاستقلال، بل والتغلغل داخل النسيج الانتخابي والسياسي للداخلة بشكل منظم ومدروس. زيارة الأمين العام لحزب الأحرار، عزيز أخنوش، شخصيًا للمدينة لم تكن مجرد محطة حزبية عابرة، بل كانت رسالة سياسية مشفرة، مفادها أن قيادة الحزب تراهن على الداخلة كموقع استراتيجي، وأن حرمة الله بات يتمتع بدعم مركزي قلّ نظيره.
هذا الحضور النوعي والتعبئة الجماهيرية الواسعة التي واكبت اللقاءات الحزبية للأحرار، كشفت عن قوة تنظيمية وتماسك داخلي يفتقده حزب الاستقلال في مرحلته الحالية. في المقابل، بدا خطاب الخطاط ينجا، خلال لقاء حزبه، خافتًا يطغى عليه طابع التبرير والانكسار، ما يعكس حجم الأزمة الداخلية التي تعصف بالحزب، سواء على المستوى المحلي أو في علاقته بمركز القرار الحزبي.
اللافت أن حزب الاستقلال لم يعد قادرا على استقطاب قياداته المركزية إلى الداخلة، ما يعكس فتورًا واضحًا في الدعم والتواصل. هذه القطيعة غير المعلنة تؤكد أن الحزب يعيش عزلة متزايدة، ربما بفعل الصراعات الداخلية والتجاذبات التي يقودها الرجل الأقوى داخل الحزب، حمدي ولد الرشيد. فالرجل، المعروف بنفوذه الكبير داخل التنظيم الاستقلالي، يبدو أنه لم يعد يولي جناح الداخلة ذات الأهمية التي كانت في السابق، أو أن هناك تصدعات أعمق داخل الحزب بدأت تضعف الجبهة الجنوبية.
الرسالة التي بعث بها حرمة الله من خلال إحاطته بقيادات مركزية وازنة، حملت بعدًا رمزيًا قويًا، مفاده أنه رجل المرحلة، وأنه الأقدر على تمثيل مصالح الحزب في الداخلة والدفاع عنها أمام المركز. في حين أن ينجا الخطاط بدا معزولًا، دون غطاء سياسي مركزي حقيقي، ما يزيد من هشاشة موقفه ويضعف موقعه التفاوضي داخل الحزب وخارجه.
أزمة الحزب وارتباك المشهد السياسي بالداخلة
إن التصدع الداخلي الذي يعيشه حزب الاستقلال بالداخلة ليس إلا جزءًا من أزمة بنيوية يعيشها الحزب على مستوى القيادة والتماسك التنظيمي. فغياب التوازن بين المركز والجهات، واحتكار القرار من طرف أسماء بعينها، وعلى رأسها حمدي ولد الرشيد، أفرز حالة من الشلل في تدبير الصراعات الجهوية، وأدى إلى خسارة مواقع تقليدية كانت تُعتبر معاقل انتخابية.
في المقابل، فإن التجمع الوطني للأحرار، مدفوعًا برغبة جامحة في التموقع جهويا، ينجح في اقتناص الفرص واستغلال ثغرات خصومه، ليعيد رسم الخريطة السياسية بالداخلة وفق قواعد جديدة. وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فقد يتحول حزب الاستقلال من فاعل مركزي إلى طرف ثانوي في المعادلة الجهوية، ما لم يعيد ترتيب أوراقه داخليًا ويحل نزاعاته التي تهدد مستقبله السياسي بالمنطقة.

















