نخب الصحرا – مقالات الرأي
في الآونة الأخيرة، أصبح المشهد المحلي في عدد من المدن والأقاليم الجنوبية المغربية يعيش على وقع ظاهرة متنامية قوامها التسويق السياسي المكثف لبعض المشاريع العمومية وتقديمها للرأي العام على أنها “إنجازات استثنائية” مرتبطة بأشخاص بعينهم، وكأن التنمية أصبحت منحة فردية أو فضلا شخصيا يمنحه منتخب أو مسؤول للساكنة، وليس نتيجة طبيعية لسياسات عمومية تمول من المال العام وتنجز بمؤسسات الدولة.
هذا النوع من الخطاب الدعائي يطرح أكثر من علامة إستفهام، خصوصاً عندما يتحول تدبير الشأن العام، الذي يفترض فيه أن يكون مسؤولية قانونية وأخلاقية، إلى عملية صناعة “زعامة محلية” قائمة على تضخيم الصور وتقديس الأشخاص وربط مصير المدن والأقاليم بأسماء وعائلات بعينها، وكأن هذه المجالات الترابية عاجزة عن الإستمرار أو التطور بدونهم.
والحال أن المفهوم الجديد للسلطة، كما جاء في الخطب الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يقوم على خدمة المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتخليق الحياة العامة، وترسيخ دولة المؤسسات بدل منطق الولاءات والأشخاص. فالمسؤول، وفق هذا التصور، ليس “صانع أمجاد” ولا مالكا للمجال العام، بل مؤتمن على تدبير مؤقت للشأن العام يخضع للمراقبة والتقييم والمحاسبة.
غير أن ما يثير الانتباه اليوم هو أنه كلما تم فتح نقاش حول بعض الممارسات التي لا تنسجم مع الضوابط القانونية أو الأخلاقية للتدبير العمومي، ترتفع أصوات للدفاع عن المنتخب أو المسؤول المعني بطريقة توحي وكأنه فوق النقد والمساءلة. ويتم تقديم أي إنتقاد أو مساءلة بإعتباره إستهدافا للتنمية أو تهديدا للإستقرار الإجتماعي، في خلط خطير بين المؤسسات والأشخاص، وبين المصلحة العامة والمصالح السياسية الضيقة.
الأخطر من ذلك أن بعض النخب المحلية أصبحت تحتكر المجال العام الإقليمي والجهوي بأبعاده السياسية والإدارية والإقتصادية والجمعوية والرياضية، مستفيدة من شبكات النفوذ والتحالفات والمصالح، بما يفرغ التعددية والديمقراطية المحلية من مضمونها الحقيقي. مما يوحي أننا أمام آلية لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس المصالح، بدل أن تكون وسيلة للتداول وتجديد النخب وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة.
وفي خضم هذا الواقع، يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام إنسداد في فرص الشغل والإدماج والمشاركة، بينما تستمر نفس الدوائر في إحتكار الإستفادة من المشاريع والفرص والإمكانات التي توفرها الدولة والإدارات المركزية، في تناقض صارخ مع مبادئ العدالة الإجتماعية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الصور واللافتات والحملات التواصلية، بل بمدى تحسين شروط عيش المواطنين، وخلق فرص الشغل، وضمان الكرامة والعدالة المجالية والإجتماعية. كما أن تدبير الشأن العام لا يجب أن يتحول إلى أداة لصناعة الولاءات أو تلميع الأشخاص، لأن مؤسسات الدولة وحدها هي الضامن للإستمرارية والإستقرار، وليس الأفراد مهما كانت مواقعهم أو شعبيتهم.
إن دولة الحق والقانون لا يمكن أن تُبنى بمنطق “الزعيم الذي لا ينتقد”، بل بثقافة المساءلة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بإعتبارها قواعد دستورية لا إستثناء فيها. فالمواطن الذي من حقه أن يستفيد من التنمية، من حقه أيضا أن يسائل وينتقد ويطالب بالتوضيح، دون أن يتهم بمعاداة الإستقرار أو الوقوف ضد المصلحة العامة.
وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي هو الإنتقال من منطق تسويق الأشخاص إلى ترسيخ ثقافة المؤسسات، ومن تمجيد المنتخب إلى إحترام القانون، ومن صناعة الصور إلى تجديد الثقة بين المواطن والدولة، في إطار مغرب الديمقراطية الذي يسوده الإنصاف والمواطنة العادلة وتكافؤ الفرص.


















عذراً التعليقات مغلقة