نخب الصحراء – كريم تكنزا
في الوقت الذي تغلي فيه جهة الداخلة تحت وطأة أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة، كان الشارع الدخلاوي ينتظر من دورة يوليوز 2025 العادية لمجلس الجهة أن تكون منبراً حقيقياً لتدارس الحلول ومعالجة الملفات الشائكة، وعلى رأسها ملف التمكين الاقتصادي للنساء الذي تحوّل إلى أحد أبرز العناوين الساخنة في الجهة.
لكن خيبة الأمل كانت أكبر من أن تُحتوى. فقد انعقدت الدورة يوم الإثنين على عجل، وتضمن جدول أعمالها 13 نقطة، إلا أن ما وقع داخل القاعة فجّر موجة من السخط والدهشة في صفوف متتبعين الشأن السياسي بالجهة. فبدل النقاش الجاد والمسؤول، سُجّلت أقصر دورة في تاريخ الجهة تقريباً، لم تتجاوز 35 دقيقة، دون نقاش فعلي، ودون أي مداخلة تلامس هموم الساكنة أو واقعهم اليومي المتردي.
الأدهى من ذلك، أن التصويت على النقاط تم بشكل مباشر، كأنها نصوص مقدسة لا تحتمل النقاش أو التعديل. هذا السلوك المؤسف للأعضاء المنتمين للمجلس يطرح أسئلة مشروعة حول ما إذا كان هناك تواطؤٌ سياسيٌ صامتٌ بين مختلف مكونات المجلس، أو أن بعض الفاعلين المحليين فقدوا البوصلة، واستبدلوا الأدوار الرقابية والتنموية بأدوار شكلية تسيء للعمل السياسي برمّته, فصمتهم المريب أمام النقاش لا يمكن تفسيره إلا باحتمالين اثنين لا ثالث لهما : إما غض الطرف ”عين ميكة” عمداً والتطبيع مع ما يجري حفاظاً على الامتيازات، أو الجهل السياسي وتدني المستوى المعرفي إلى درجة تُفقد الممارسة السياسية معناها وجدواها.؟
أين هي الأصوات التي كانت تنادي بالإصلاح ؟ وأين هي النخب التي وعدت بالقطع مع لا ممارسات وعدم الصمت ؟ ولماذا اختارت الأطياف السياسية الحاضرة أن تبلع ألسنتها وكأن جهة الداخلة مدينة فاضلة لا تخلو من عيوب ؟ هل وصل استغباء الساكنة لهذا الحد ؟ وهل باتت الممارسة السياسية وسيلة للاغتناء بدل النظال ؟
الداخلة اليوم لا تحتاج إلى مجالس تتلو بيانات فارغة أو نخب تركب السيارات الفارهة بينما هي فارغة، ولا إلى جلسات شكلية تستهين بعقول المواطنين, فالداخلة اليوم تحتاج إلى قرارات جريئة، ومحاسبة شفافة، ونقاشات حقيقية تلامس القضايا العميقة التي تخنق الجهة، من بطالة متفاقمة، وتهميش مستمر، وانهيار اجتماعي مقلق.
إن ما جرى في دورة مجلس جهة الداخلة ليس مجرد خطأ بروتوكولي أو سوء تقدير، بل هو صفعة سياسية لكل من راهن على تغيير حقيقي. وعندما يُختزل العمل السياسي في صمتٍ مريبٍ وتمريرٍ بلا نقاش، فاعلم أن هناك خلل . إنها لحظة فارقة يجب أن تستوقف الجميع، فـ عندما يُسند العمل السياسي لغير أهله، فانتظر المآسي لا القرارات.


















