نخب الصحراء – كريم تكنزا
في مشهد سياسي غير مألوف بمدينة العيون، نظّم حزب التجمع الوطني للأحرار لقاءً جماهيرياً غير مسبوق، حشد فيه ما يزيد عن 4500 من مناضليه ومناضلاته. نجاح الحدث لم يكن مجرد استعراض عددي أو تنظيمي، بل حمل في طياته رسائل سياسية عميقة ومؤشرات على تحولات محتملة في ميزان القوى داخل عاصمة الصحراء، حيث ظل حزب الاستقلال، بزعامة “عراب الصحراء” حمدي ولد الرشيد، مهيمناً على المؤسسات والقرار المحلي لعقود.
رسائل مشهد الأحرار : كسر الصمت السياسي؟
لقاء العيون لم يكن عادياً في توقيته ولا في خلفياته. فبعد سنوات من الهيمنة شبه المطلقة لحزب الاستقلال على المشهد المحلي، بدأ “الأحرار” يعززون حضورهم التنظيمي والسياسي، ويبعثون إشارات واضحة على نيتهم في كسر هذا النفوذ المتجذر. والأهم من ذلك، أن اللقاء الأخير لم يكن مجرد “طلقة في الهواء”، بل جاء نتيجة عمل تحضيري دام شهوراً، توج بتوافق واسع بين قيادات الحزب في جهات الصحراء الثلاث، ما أعطى لمبادرتهم زخماً تنظيمياً ومعنوياً كبيراً.
ولد الرشيد : هيمنة تُواجه بالتشكيك
حمدي ولد الرشيد، الذي يُنظر إليه كمهندس النفوذ الاستقلالي في العيون والصحراء عموماً، ظل رقماً صعباً في المعادلة السياسية لعقود، مستفيداً من شبكة واسعة من الولاءات، وحنكة سياسية في تدبير الملفات المحلية. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت بوادر “تآكل بطيء” في هذه الهيمنة، خصوصاً في ظل صعود جيل جديد من السياسيين، وتراجع قوة التأثير التقليدي في أوساط الشباب والفاعلين الجدد.
محمد عياش : هل يكون خصماً مكافئاً ؟
الأنظار تتجه الآن إلى محمد عياش، المنسق الجهوي لحزب الأحرار، والذي أثبت من خلال التنظيم الناجح لهذا اللقاء أنه لا ينوي لعب دور ثانوي في المشهد السياسي المحلي. يتمتع عياش بدعم واضح من القيادة الوطنية، وبتوافق لافت بين القيادات المحلية والجهوية، وهي معادلة نادراً ما توفرت في تجارب حزبية سابقة حاولت منافسة الاستقلال بالعيون. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، تبدو حظوظ الأحرار في تسجيل اختراق كبير قائمة، إن لم نقل واعدة.
تحولات سوسيولوجية وسياسية تدعم التغيير
لا يمكن قراءة صعود “الأحرار” في العيون بمعزل عن التحولات الاجتماعية التي تعرفها المنطقة، خاصة مع تصاعد حضور الشباب في الحياة السياسية، وتراجع منطق “الزعامة التقليدية”. كما أن رهان الدولة على نموذج تنموي جديد في الأقاليم الجنوبية يعيد تشكيل التوازنات السياسية، ويفتح المجال أمام نخب جديدة لفرض وجودها على الساحة.
هل هي بداية النهاية هيمنة الإستقلال بالصحراء ؟
صحيح أن حزب الاستقلال لا يزال يحتفظ برصيد مهم من النفوذ والولاء في العيون، لكن لا يمكن إنكار أن مشهد لقاء الأحرار الأخير أعاد خلط الأوراق، وأرسل إشارات قوية على أن الصراع السياسي في المدينة بات مفتوحاً، وأن زمن الهيمنة الأحادية قد يكون في طريقه إلى الأفول.
الأسابيع والشهور المقبلة ستحدد ما إذا كان محمد عياش سيحول هذا الزخم إلى مكاسب انتخابية حقيقية، أم أن لقاء العيون سيظل مجرد “عرض قوي” في ساحة معقدة لا تزال تتحكم فيها توازنات دقيقة. لكن المؤكد أن “العيون” لم تعد كما كانت، وأن الزمن السياسي في الصحراء دخل مرحلة جديدة عنوانها: التنافس الجدي على السلطة المحلية



















