الحكم الذاتي والتسريبات وتساؤلات جيرارد لارشيه حول الهيمنة العائلية بالصحراء.. هل بدأت الدولة إعادة تشكيل المشهد السياسي وإنهاء عهد الأعيان التقليديين

منذ ساعة واحدة
الحكم الذاتي والتسريبات وتساؤلات جيرارد لارشيه حول الهيمنة العائلية بالصحراء.. هل بدأت الدولة إعادة تشكيل المشهد السياسي وإنهاء عهد الأعيان التقليديين

نخب الصحرا – مقالات

في مقال تحليلي نشرته جريدة “الصحراء ديسك” حول تزامن التسريبات التي استهدفت شخصيات نافذة في الصحراء مع المستجدات الدولية الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، وفي قراءة عميقة تعيد للواجهة فتح النقاش بشأن طبيعة المرحلة السياسية التي تعيشها الأقاليم الجنوبية، وما إذا كانت الدولة تتجه فعلاً نحو إعادة رسم الخريطة السياسية بالمنطقة استعداداً لمرحلة جديدة من تدبير ملف الصحراء.

فالقراءة التي قدمتها “الصحراء ديسك” تتجاوز التفسير السائد الذي يختزل ما يجري في مجرد صراع بين أقطاب انتخابية أو تصفية حسابات بين مراكز نفوذ متنافسة، لتضع الأحداث في سياق أوسع يرتبط بالتحولات التي يشهدها الملف على المستوى الدولي، خصوصاً مع تنامي الدعم الخارجي لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً واقعياً لتسوية النزاع.

ومن هذا المنطلق، يطرح سؤال جوهري نفسه : هل يمكن الانتقال إلى مرحلة تنزيل الحكم الذاتي بنفس النخب التي تشكلت في سياق تدبير النزاع خلال العقود الماضية؟

لقد ارتبطت النخب الصحراوية التقليدية تاريخياً بمنطق الوساطة السياسية والاجتماعية، حيث لعبت دوراً أساسياً في تثبيت الاستقرار وضمان التوازنات المحلية. غير أن متطلبات المرحلة المقبلة تختلف جذرياً، إذ لم يعد المطلوب فقط تدبير الولاءات أو الحفاظ على التوازنات القبلية، بل إنتاج نموذج حكامة قادر على إقناع الداخل والخارج بجدية مشروع الحكم الذاتي باعتباره صيغة ديمقراطية متقدمة لتدبير الشأن المحلي.

وفي هذا السياق، تبدو الإشارات التي تحدثت عنها “الصحراء ديسك” بشأن استهداف شخصيات نافذة عبر تسريبات متتالية، جزءاً من مناخ سياسي جديد عنوانه مراجعة مواقع النفوذ التقليدية وإخضاعها لمعايير أكثر ارتباطاً بالحكامة والشفافية والنجاعة التدبيرية.

وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر إذا ما تم ربطها بالانتقادات المتزايدة الموجهة لاحتكار بعض العائلات لمراكز القرار السياسي والاقتصادي بالمنطقة. فالتحدي الذي يواجه مشروع الحكم الذاتي اليوم لا يتعلق فقط بالحصول على مزيد من الاعترافات الدولية، بل أيضاً بمدى القدرة على تقديم نموذج مؤسساتي يعكس التعددية وتكافؤ الفرص وتداول النخب.

وفي هذا الإطار، استحضرت الجريدة التساؤلات المنسوبة لرئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرارد لارشيه بشأن تركيز السلطة والنفوذ داخل دائرة عائلية محدودة، وهي ملاحظات ـ إن صحت ـ تعكس أن شركاء المغرب الدوليين لم يعودوا يكتفون بمتابعة تطورات النزاع فقط، بل أصبحوا يراقبون كذلك طبيعة الحكامة المحلية وشكل توزيع السلطة داخل الأقاليم الجنوبية.

ففي عالم اليوم، لم تعد الشرعية السياسية تُقاس فقط بالاستقرار أو نتائج الانتخابات، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على تجديد نخبها وفتح المجال أمام الكفاءات الجديدة وتمكين الشباب والنساء والفاعلين الاقتصاديين والمدنيين من الولوج إلى مواقع القرار.

وتاريخياً، تكشف تجارب العديد من النزاعات الدولية أن الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التسوية السياسية يكون مصحوباً غالباً بإعادة إنتاج النخب المحلية أو توسيع دائرتها، بما يضمن توافق البنية السياسية مع المرحلة الجديدة. ومن هنا، قد يكون ما يجري في الصحراء جزءاً من عملية انتقال هادئة من نموذج الأعيان التقليديين إلى نموذج نخب أكثر ارتباطاً بمنطق المؤسسات والكفاءة.

غير أن هذا التحول، إن كان قائماً بالفعل، لن يكون سهلاً أو خالياً من المقاومة، لأن أي إعادة توزيع للنفوذ السياسي والاقتصادي تخلق بالضرورة صراعات ومواجهات بين المستفيدين من الوضع القائم والفاعلين الساعين إلى التموقع داخل التوازنات الجديدة.

وفي المحصلة، فإن القراءة التي قدمتها “الصحراء ديسك” تفتح الباب أمام فرضية سياسية مهمة مفادها أن ما تشهده الصحراء اليوم قد لا يكون مجرد صراع انتخابي أو حملة تسريبات ظرفية، بل مؤشرات أولية على بداية مرحلة إعادة تشكيل المشهد السياسي الصحراوي بما يتلاءم مع الأفق الذي يرسمه مشروع الحكم الذاتي. وإذا كانت صحة هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من المؤشرات والوقائع الملموسة، فإن المؤكد أن الأقاليم الجنوبية تقف أمام لحظة سياسية مفصلية قد تعيد تعريف موازين القوة وأدوار الفاعلين

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة