صراع الريع .. عندما تتحوّل الداخلة إلى ساحة حرب والطفولة إلى ورقة إنتخابية

26 يوليو 2025
صراع الريع .. عندما تتحوّل الداخلة إلى ساحة حرب والطفولة إلى ورقة إنتخابية

نخب الصحراء – كريم تكنزا

لم يعد خافياً على أي متتبع للشأن السياسي بجهة الداخلة ، أن هذه المدينة باتت مسرحاً لصراعات سياسية حادة تتجاوز كل الحدود، بل وتستبيح ما لا يجوز استباحته،  فقد وصلت هذه الصراعات إلى حد الزج بالمؤسسات الصحية، وبتفاصيل إنسانية حساسة كالأطفال والمرضى والنساء، في أتون حسابات انتخابية لا تمتّ بصلة لأخلاقيات الممارسة السياسية أو قواعد التنافس النزيه.

الداخلة اليوم ليست مجرّد مدينة صحراوية مغربية على الخريطة، بل أصبحت ساحة مفتوحة لمعركة نفوذ لا تهدأ. أطراف محددة تتصارع ليس بدافع الغيرة على التنمية أو السعي لخدمة المواطن، بل بدافع السيطرة على مراكز القرار والاستفادة من امتيازات الريع السياسي، التي تجود بيه ميزانيات الدولة في أرصدت المجالس المتطاحن عليها، التي وللأسف لا رقابة عليها في ظل غياب شبه تام لمبدء ربط المسؤولية بالمحاسبة. 

من المقلق جداً أن تتحوّل صور الأطفال في المخيمات الصيفية، وصور الفواجع ، إلى أدوات دعائية ومسرحيات انتخابية رخيصة، تُوظف فقط لكسب نقاط سياسية، بينما تبقى حاجيات السكان الأساسية عالقة في رفوف اللامبالاة، إن الزج بالمؤسسات التربوية والصحية في معارك المصالح يشكّل انزلاقاً خطيراً ينذر بكارثة أخلاقية تضرب في العمق ما تبقى من ثقة المواطن في النخب السياسية بجهة بات الصراع فيها علني وغير أخلاقي.

لنقف قليلا و لنطرح أسئلة من شأنها أن تجيب على ما يحدث بالداخلة.  كم من السياسيين يعيشون وسط الأحياء الشعبية المكتظة ؟ كم منهم يتبضع من الأسواق اليومية أو يتنقل بين الأزقة دون موكب؟ الحقيقة الصادمة أن أغلب هؤلاء يعيشون في فيلات فاخرة بُنيت على أنقاض معاناة ساكنة ما زالت تحارب من أجل أبسط حقوقها، في الوقت الذي تستفيد فيه المجالس المنتخبة من ميزانيات ضخمة كانت كفيلة بتحقيق تحول تنموي حقيقي، إلا أنها ما فتئت تحول لمشاريع إقتصادية وقصور فاخرة بكل من مدن الشمال، لم يقف الترف لهذا الحد بل انتقل بدوره لأبنائهم المحظوظين الذين يدرسون في جامعات دولية وكليات أروبية، بينما تنعم زوجاتهم بأحدث صيحات حقائب “غوتشي” الفاخرة وعطور ”شانيل” الباهظة… فيما تعيش ساكنة الداخلة ضمن واقع مخزي تنعدم فيه ابسط شروط العيش الكريم.

لقد بلغ السيل الزبى، ولم يعد الصمت مقبولاً. إن ما تشهده الداخلة اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل اغتيال معلن للعمل الديمقراطي وانحراف خطير عن جوهر المسؤولية العمومية، فاليوم آن الأوان أن تُفعل الرقابة، وأن ينزل مبدأ المحاسبة، فساكنة الداخلة لا تستحق أن تكون مجرد وقود في محرقة الطمع السياسي. نريد صراعاً من أجل المدارس، المستشفيات، البنية التحتية، فرص الشغل… لا صراعاً على الأرصدة البنكية والفيلات الفارهة والمناصب الريعية.

الداخلة تحتاج إلى رجال دولة، لا إلى سماسرة سلطة الذين عمر جلهم لسنوات دون إحداث أي تغيير ملموس, فالداخلة بحاجة لمشاريع تنموية حقيقية لا إلى مسرحيات انتخابية فارغة. فإما أن نكون مع الوطن والمواطن… أو نكون مع الريع والانتهازية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *