نخب الصحراء – تقرير
دعا مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي إلى مراجعة مسار النموذج التنموي الجديد، مؤكداً أن التحدي الرئيسي الذي يواجه المغرب اليوم يتمثل في الانتقال من اقتصاد يركز على تحقيق معدلات النمو إلى اقتصاد يجعل خلق فرص الشغل هدفه الأول. وجاء ذلك ضمن تقرير تقييمي رصد حصيلة خمس سنوات من تنزيل النموذج التنموي، حيث شدد على ضرورة اعتماد التشغيل كمؤشر أساسي لتقييم السياسات العمومية والاستثمارات العمومية والخاصة.
وأوضح التقرير أن مختلف البرامج والمشاريع الاستثمارية ينبغي أن تخضع لتقييم مسبق يقيس أثرها المباشر على فرص العمل قبل المصادقة عليها، مع توجيه الجهود نحو القطاعات الأكثر قدرة على إحداث مناصب شغل مستدامة. كما أوصى بإقرار ميثاق وطني ملزم يجمع الحكومة والقطاع الخاص، يتضمن أهدافاً واضحة لخفض معدلات البطالة، ويربط الامتيازات والتحفيزات الممنوحة للمقاولات بحجم وجودة فرص الشغل التي توفرها.
وفي جانب الحكامة، دعا المركز إلى الانتقال من منطق تدبير الوسائل إلى منطق قياس النتائج والأثر الفعلي على حياة المواطنين، من خلال إحداث هيئة وطنية مستقلة تتولى التقييم الدوري للسياسات العمومية ونشر تقاريرها للرأي العام. كما شدد على ضرورة تعزيز الشفافية في تدبير المال العام عبر نشر المعطيات المتعلقة بالدعم العمومي والصفقات الكبرى، واعتماد عدالة مجالية حقيقية تمنح الأولوية للجهات الأقل استفادة من الاستثمار وفق مؤشرات الفقر والهشاشة.
وفي ما يتعلق بالقطاعات الاجتماعية، اعتبر التقرير أن إصلاح التعليم والصحة يشكل مدخلاً أساسياً لإنجاح أي نموذج تنموي، داعياً إلى إعادة بناء المدرسة العمومية على أسس الجودة وتكافؤ الفرص، وجعل البحث العلمي أولوية استراتيجية للدولة. كما أوصى بإعادة هيكلة منظومة التكوين المهني بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الرقمي والأخضر ومهن المستقبل.
وفي القطاع الصحي، شدد التقرير على ضرورة إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي من خلال ضخ استثمارات استثنائية لتأهيل بنياته وخدماته، إلى جانب إطلاق برامج استعجالية لاستقطاب الكفاءات الصحية والتربوية والحد من نزيف هجرة الأدمغة الذي يهدد عدداً من القطاعات الحيوية.
كما أبرزت التوصيات أهمية تفكيك مظاهر الريع والاحتكار والتركيز الاقتصادي عبر تعزيز صلاحيات مجلس المنافسة وتشديد الرقابة على القطاعات الاستراتيجية، مع جعل المقاولات الصغرى والمتوسطة في صلب النموذج الاقتصادي الجديد من خلال توجيه التمويلات والصفقات العمومية نحوها، بدل استمرار تركيزها لدى عدد محدود من الفاعلين الكبار.
وفي السياق ذاته، دعا التقرير إلى تقوية الطبقة الوسطى عبر مراجعة السياسة الضريبية وتخفيف العبء الجبائي على الأجراء لحماية قدرتهم الشرائية من تداعيات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، مع إطلاق برنامج وطني شامل لتمكين الشباب والنساء اقتصادياً واجتماعياً وضمان مشاركتهم الفعلية في صناعة القرار العمومي.
وخلص المركز إلى أن نجاح النموذج التنموي يقتضي إصلاحاً عميقاً للإدارة ومحاربة البيروقراطية من خلال الرقمنة الشاملة للمساطر وتبسيط الخدمات، مؤكداً أن الهدف النهائي للتنمية يجب ألا يقتصر على تحسين مؤشرات النمو الاقتصادي، بل يتجسد في بناء مجتمع أكثر عدالة وإنصافاً، يضمن الكرامة للمواطن ويوجه الثروة الوطنية نحو التنمية البشرية والارتقاءاجتماعي.



















عذراً التعليقات مغلقة