نخب الصحراء | قراءة
تشهد مدينة العيون، خلال الفترة الأخيرة، سلسلة من اللقاءات التي يعقدها حمدي ولد الرشيد، رئيس جماعة العيون، مع عدد من الفاعلين المحليين، من منتخبين وممثلي جمعيات وأندية وفعاليات اجتماعية وقبلية. لقاءات وُصفت رسمياً أو إعلامياً بكونها ذات طابع تواصلي، لكنها تأتي في سياق سياسي شديد الحساسية، ما يجعل توقيتها وطبيعتها يفتحان الباب أمام قراءات تتجاوز عنوانها المعلن.
فالسياق الانتخابي الحالي، والاستعدادات للاستحقاقات البرلمانية المقبلة، يجعلان أي تحرك سياسي أو اجتماعي لفاعل بحجم حمدي ولد الرشيد محط اهتمام ومتابعة، خصوصاً في ظل اشتداد المنافسة وظهور وجوه جديدة تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى داخل المشهد السياسي المحلي.

يصعب فصل هذه اللقاءات عن السياق العام الذي تعيشه العيون. فتكثيف الحضور واللقاءات في ظرفية انتخابية قد يُقرأ باعتباره محاولة لإعادة تنشيط الحضور السياسي والاجتماعي، وتأكيد استمرار القدرة على التواصل مع مختلف مكونات المجتمع المحلي.
ومن هذه الزاوية، قد تحمل اللقاءات رسائل سياسية غير مباشرة إلى المنافسين قبل أن تكون مجرد مناسبات للتواصل، مفادها أن الحضور السياسي والاجتماعي القديم لا يزال يمتلك أدواته وشبكاته وقادرًا على التحرك في أكثر من اتجاه.
لكن القراءة الأخرى تظل قائمة أيضاً؛ إذ قد تكون هذه اللقاءات محاولة فعلية لإعادة فتح قنوات التواصل مع الفاعلين المحليين، والاستماع إلى انشغالاتهم، وإعادة ترتيب العلاقة بين المنتخبين والساكنة بعد فترة من التوترات والنقاشات التي رافقت تدبير الشأن المحلي… وبين القراءتين، يبقى المعيار الحقيقي هو ما الذي ستنتجه هذه اللقاءات على أرض الواقع؟

فبعيداً عن الحسابات الانتخابية والسياسية، تواجه مدينة العيون مجموعة من الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تتطلب أجوبة عملية، وفي مقدمتها وضعية التشغيل، ودينامية الاقتصاد المحلي، وفرص الاستثمار، وإدماج الشباب، وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وفي مدينة تتوفر على مؤهلات وإمكانات كبيرة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً حول قدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل هذه الإمكانات إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة.
فالشباب الذي يبحث عن فرصة عمل، والمقاول الذي ينتظر بيئة اقتصادية أكثر دينامية، والمواطن الذي يقيس أداء المؤسسات من خلال الخدمات التي يحصل عليها، قد لا تعنيه كثيراً كثافة اللقاءات السياسية بقدر ما تعنيه نتائجها وانعكاساتها المباشرة على حياته اليومية.
ومن هنا، فإن أي لقاء تواصلي يفقد جزءاً من قيمته السياسية إذا انتهى عند حدود الصور والبيانات والمجاملات، ولم يتحول إلى مقترحات واضحة، أو التزامات قابلة للقياس، أو حلول لملفات حقيقية تؤرق الساكنة.
الأكثر إثارة للاهتمام هو توقيت هذه الدينامية. فالمشهد السياسي في العيون لم يعد كما كان قبل سنوات؛ المنافسة أصبحت أكثر تعقيداً، والفاعلون السياسيون الجدد باتوا أكثر حضوراً، فيما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على تغيير صورة السياسي وانتشاره خلال فترة قصيرة.
وبالتالي، فإن تحرك شخصية سياسية وازنة بشكل مكثف في هذه المرحلة يمكن أن يُفهم أيضاً باعتباره محاولة للتكيف مع قواعد سياسية جديدة، حيث لم يعد النفوذ التقليدي وحده كافياً لضمان الاستمرارية، بل أصبح مطلوباً الجمع بين الحضور الميداني، والتواصل المباشر، والقدرة على إنتاج خطاب سياسي مقنع.
وهنا تحديداً يبرز السؤال : هل تعكس هذه اللقاءات ثقة سياسية مستقرة، أم أنها تعكس شعوراً بأن المنافسة القادمة ستكون مختلفة عن سابقاتها؟
لا يتعلق الأمر فقط بحمدي ولد الرشيد، بل بصورة أوسع بطريقة اشتغال النخب السياسية المحلية. فكلما اقترب موعد الانتخابات، ترتفع وتيرة اللقاءات والزيارات والتواصل مع الفاعلين الاجتماعيين، وهو أمر طبيعي في الحياة السياسية، لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول التواصل إلى غاية في حد ذاته بدل أن يكون وسيلة لإنتاج سياسات عمومية وحلول تنموية.
ولهذا، فإن الحكم على هذه اللقاءات لن يكون من خلال عددها ولا من خلال حجم الحضور فيها، وإنما من خلال ما ستتركه بعدها من أثر.
هل ستتحول مطالب الفاعلين الذين يتم اللقاء بهم إلى برامج ومشاريع؟ هل ستتم معالجة الملفات الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل ساكنة العيون؟ وهل يستطيع الفاعل السياسي أن يقنع الناخب بأن حضوره لا يرتبط فقط بالموسم الانتخابي، وإنما بمشروع واضح ومستمر؟
من السابق لأوانه الجزم بأن هذه اللقاءات ليست سوى حملة انتخابية سابقة لأوانها، كما أنه من الصعب اعتبارها مجرد لقاءات تواصلية منفصلة عن السياق السياسي الراهن.
لكن المؤكد أن التوقيت، وكثافة اللقاءات، وطبيعة الفاعلين الذين يتم التواصل معهم، كلها عناصر تجعلها جزءاً من المشهد السياسي الذي يسبق الاستحقاقات المقبلة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
والسؤال الأهم الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة ليس فقط: لماذا تحرك حمدي ولد الرشيد الآن؟.. بل هل جاء هذا التحرك لتأكيد استمرار النفوذ السياسي، أم لإعادة بناءه؟ وهل هو تحرك من موقع القوة، أم محاولة لاستعادة زمام المبادرة في مشهد سياسي بدأت تتغير فيه موازين المنافسة؟
في النهاية، ستبقى صناديق الاقتراع والنتائج الميدانية هي الاختبار الحقيقي لأي قراءة، أما اللقاءات، مهما ارتفع منسوبها، فلا يمكن أن تكون بديلاً عن سؤال أكبر: ماذا تحقق للعيون وساكنتها؟



















عذراً التعليقات مغلقة