شناقة الغزل وتجار المديح .. قراءة في سيكولوجية المديح المأجور وصناعة الولاء المزيف

منذ 28 دقيقة
شناقة الغزل وتجار المديح ..  قراءة في سيكولوجية المديح المأجور وصناعة الولاء المزيف

نخب الصحراء | كريم تكنزا مدير النشر

لا يكاد يمر يوم في حياتنا دون أن نصادف شخصاً متملقاً، اختار لنفسه حمل الطبول والعزف على أوتار المديح الزائف لأشخاص لا يرون فيه سوى منافق متملق، يغيّر ألحانه بتغيّر المصالح والامتيازات. هذا السلوك الذي بات يطغى على جوانب من حياتنا قد تحول اليوم إلى صناعة قائمة بذاتها، لها أدواتها وجنودها وصفحاتها الممولة.

إنهم من أطلقنا عليهم في “نخب الصحراء” وصف “شناقة الغزل”، أولئك الذين يبيعون المديح كما تُباع المنتجات في الأسواق المفتوحة، ويحوّلون الباطل إلى حق، والإخفاقات إلى إنجازات.

هذه الظاهرة لم تعد حكراً على مجالس المجاملة التقليدية، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي، حيث تُجنّد صفحات فيسبوكية وحسابات وهمية ومدونون مأجورون، تتمثل مهمتهم في تلميع صورة شخص أو مسؤول، كلٌّ من موقعه، وإغراق الرأي العام بسيل من الثناء والتجميل، بل ومهاجمة كل صوت يجرؤ على النقد. والنتيجة صناعة حقيقة مزيفة، ومواطن تائه بين الواقع الذي يعيشه والصورة الوردية التي تُرسم له.

فكيف يمكن فهم هذه الظاهرة؟ ولماذا وجدت لها تربة خصبة في مجتمعاتنا؟ وما الذي يدفع شخصاً إلى بيع قلمه وصوته لمن يدفع أكثر؟

ينمو التطبيل في البيئات التي تقوم فيها العلاقات على القرب من أصحاب النفوذ، لا على الكفاءة والاستحقاق. ففي مجتمع يرى فيه الفرد أن الطريق إلى فرصة عمل أو صفقة أو منصب يمر عبر نيل “رضا” شخص ما، يصبح المديح عملة للتداول، ويغدو التملق استثماراً مضموناً.

وتزيد البطالة وهشاشة الأوضاع الاقتصادية من حدة هذه الظاهرة؛ فكثير من المطبلين وشناقة الغزل ليسوا بالضرورة مقتنعين بما يكتبون، بل وجدوا في هذا الدور مصدراً للرزق أو وسيلة للظهور وتحقيق بعض المصالح. ومن هنا يتحول الضمير إلى سلعة، وتُشترى المواقف بالتعويضات والامتيازات، مهما كانت صغيرة.

أما الخطر الأكبر، فيكمن في التطبيع الاجتماعي مع هذه الظاهرة. فحين يرى الشباب أن المتملق يُكافأ، بينما يُقصى الناقد، تترسخ لديهم قناعة بأن الصدق مكلف، وأن النفاق نوع من الذكاء الاجتماعي. وبذلك تُورّث ثقافة التطبيل من جيل إلى جيل، وتتآكل قيم النزاهة والجدارة وقول الحق، ولو كان مُرّاً.

سياسياً، يشكل التطبيل أداة لإدارة الصورة بدل إدارة الشأن العام. فبدلاً من أن يجيب المسؤول عن أسئلة المواطنين بشأن مشروع متعثر أو صفقة تحوم حولها الشبهات، يُطلق جيشه الرقمي لإغراق المنصات بمنشورات الإشادة والثناء، حتى يضيع السؤال وسط ضجيج المديح والغزل.

وتعتمد هذه الصناعة على آليات باتت مكشوفة، من بينها تجنيد صفحات مجهولة الهوية، تُنشأ أو تُشترى لنشر محتوى موحد في توقيت متزامن، إلى جانب استخدام حسابات وهمية تملأ التعليقات بعبارات الثناء، وتهاجم المنتقدين، مع تضخيم الإنجازات المحدودة والتعتيم على الإخفاقات الكبيرة.

والنتيجة إجماع مصطنع يضلل المواطن ويضعف آليات المحاسبة. فالمسؤول الذي يعيش داخل فقاعة التصفيق يفقد القدرة على رؤية أخطائه وتصحيحها، كما أن المواطن الذي يكتشف هذا التضليل يفقد ثقته في المؤسسات وفي الإعلام معاً، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة العامة.

وهنا تتحمل الصحافة الجادة مسؤولية مضاعفة، تتمثل في التمييز بين الإعلام والدعاية، والحفاظ على دورها كسلطة رقابية مستقلة، لا التحول إلى ذراع لتلميع الصور وصناعة الأوهام.

ومن الناحية النفسية، يرتبط التطبيل بعلاقة متبادلة بين طرفين، يحتاج كل منهما إلى الآخر. فمن جهة المسؤول أو السياسي، يجد الشخص الذي يُطبَّل له في المديح المستمر غذاءً لنرجسيته، وتعويضاً عن شعور خفي بالنقص أو انعدام الأمان. ومع مرور الوقت، قد يصبح مدمناً على التصفيق، فيقرّب المادحين ويقصي الناصحين، ويرى في كل نقد تهديداً لمكانته واستمراريته، بل ووجوده السياسي برمته.

ومن جهة أخرى، قد يكون التملق، وفق بعض التفسيرات النفسية، آلية دفاعية لدى من يشعر بالضعف أو الخوف أمام السلطة وأصحاب النفوذ، إذ يسعى إلى التقرب ممن يمتلكون القوة طلباً للحماية أو المنفعة. وقد يعيش المتملق أيضاً حالة من “التنافر المعرفي”،حين يقول ما لا يؤمن به، فيحاول إقناع نفسه بأن ما يمارسه ليس سوى “واقعية”أو “دفاع عن الاستقرار”.

أما الجمهور، فيتأثر بما يسميه علم النفس الاجتماعي “الدليل الاجتماعي”، فعندما يرى مئات التعليقات والمنشورات المادحة، قد يميل إلى تصديقها، أو يتردد في مخالفتها. وهكذا تنجح الصفحات المجندة، ليس بالضرورة لأنها تقدم حججاً مقنعة، بل لأنها تبدو كثيرة وصاخبة، وتوحي بوجود إجماع لا يعكس بالضرورة حقيقة المواقف.

وانطلاقاً من كل ما سبق، فإن مواجهة ظاهرة “شناقة الغزل” تتطلب بناء وعي نقدي لدى المواطن، وتعزيز قدرته على طرح الأسئلة البسيطة والعميقة في الآن ذاته : لماذا؟ وكيف؟

فرغم بساطة هذه الأسئلة، فإنها تدفع القارئ إلى التوقف عند كل خطاب مديح، والتمييز بين الإنجاز والزيف، وبين المسؤولية الحقيقية والاستعراض الإعلامي. كما تجعله يبحث عن الأرقام والنتائج والمشاريع المنجزة، بدل الانشغال بعدد الإعجابات والتعليقات.

وتتطلب هذه المواجهة أيضاً صحافة مهنية مستقلة، وتربية إعلامية تُعلّم الأجيال الصاعدة كيفية التمييز بين الخبر والدعاية، وبين النقد والتشهير، وبين الإنجاز الحقيقي والتسويق المصطنع.

وعلى المسؤول والسياسي الواثق من عمله أن يدرك أن الناقد الصادق أنفع له من ألف متملق منافق، فالمطبلون يرحلون برحيل المصلحة، بينما تبقى الحقائق شاهدة على ما أُنجز وما أُهمل.

وفي النهاية، يبقى التطبيل أشبه بالمسكّن، يخفي الألم مؤقتاً، لكنه لا يعالج العلة. وكل مجتمع يكتفي بالمسكّنات، قد يستيقظ يوماً على مرض استفحل وانتشر، وحينها لن ينفعه ضجيج الطبول ولا كثرة المادحين.

اترك رد