نخب الصحراء – كريم تكنزا
لم يكن الحشد الجماهيري الغفير الذي غصت به جنبات الاسواق الحديثة بالعيون، بمناسبة الذكرى 82 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، مجرد احتفالية وطنية عابرة. بل كان “زلزالاً سياسياً” محلياً بذبذبات وطنية، أعاد من خلاله حمدي ولد الرشيد، عراب الإستقلال وداهية الصحراء، رسم حدود مملكته الانتخابية وتوجيه رسائل جد “مشفرة” لمن يهمه الأمر في الرباط والعيون على حد سواء.
استعراض القوة .. ال الرشيد ماكينة لا تهدأ
بينما تعاني باقي الأحزاب السياسية من “أزمة تأطير” وتراجع في منسوب الثقة، أثبت زعيم الإستقلال أن أل الرشيد لا تزال تملك “الريموت كونترول” الخاص بالشارع في جهة العيون. آلاف الحناجر التي صدحت باسم حزب “الميزان” لم تكن مجرد أرقام، بل كانت تجسيداً لـ “الماكينة التنظيمية” التي يترأسها حمدي ولد الرشيد، والتي تدمج بين الولاء القبلي والتمكين الاقتصادي والبراغماتية السياسية.
ورغم سيل الانتقادات التي تتحدث عن استغلال “الكرطيات” (بطائق الإنعاش) والامتيازات العائلية والزرقلافات … لحشد هذا الكم الجماهيري، إلا أن الواقعية السياسية تفرض اعترافاً موازياً، فالقدرة على إدارة هذا “الريع الافتراضي” وتحويله إلى كتلة بشرية منظمة هو في حد ذاته دهاء سياسي يعجز خصومه عن مجاراته حتى ولو توفرت لهم فيها كل سبل وآليات الريع.
رسائل “الميزان”: الندية قبل التحالف
خلف الغبار الذي تركه الحشد، تقرأ “رادارات” السياسيين ثلاث رسائل مركزية :
1. للداخل الحزبي (الرباط) : وجه عراب الميزان بالصحراء رسالة إلى قيادة نزار بركة، مفادها أن “الشرعية الانتخابية” للحزب تنبع من عمق الصحراء. هذا الحشد يحصن تيار ولد الرشيد ضد أي محاولات لتقليص نفوذه داخل الهياكل المؤسسة الحزبية أو حتى في اختيار وزراء “الميزان”.
2. للحلفاء والمنافسين – الأحرار والبام :
في ظل طموح “الحمامة” و “تراكتور” لتوسيع نفوذهم في الأقاليم الجنوبية، جاء رد ولد الرشيد عملياً وميدانياً : “العيون منطقة محرمة انتخابياً “. هي رسالة لشركاء التحالف الحكومي بأن الندية هي أساس التعامل، وأن أي تغيير في خريطة النفوذ بالصحراء دونه عقبات جماهيرية يصعب تجاوزها.
3. للدولة والمركز : قدم ولد الرشيد نفسه مرة أخرى “كـصمام أمان” وربان سفينة قادر على تجاوز كل الأمواج العاتية من خلال ضبطه المحكم للتوازنات الاجتماعية والقبلية في منطقة استراتيجية ذات حساسية سياسية، مؤكداً أن “الاستقرار” يمر عبر قنواته التنظيمية.
جدار “الاستقلال” وعجز البدائل
خيام ال الرشيد المحكمة فنياً وممتلئة هندسياً جعلت من المنافسين في موقف جد حرج، فحزب التجمع الوطني للأحرار، رغم امتلاكه سلطة التدبير الحكومي، لا يزال يكافح لاختراق “النسيج الاجتماعي” الذي نسجه ولد الرشيد على مدار عقود من الزمن بدهاء وحنكة سياسية. أما الأصالة والمعاصرة، فرغم استعانته ببعض الأعيان، إلا أنه لم يستطع خلق “الإيشيك” ( التكتيكات والأنماط الذكية ) على رقعة السيطرانج السياسية التي يهيمن عليها الإستقلال بالجهة، فالسر هنا يكمن في قوة حمدي ولد الرشيد في كونه حول حزب الاستقلال في العيون من مجرد “فرع حزبي” إلى “مؤسسة خدماتية واجتماعية” متغلغلة في التفاصيل بل وحتى في المفاصل اليومية للساكنة، مما يجعل أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة من طرف المنافسين تتطلب نفساً وجهداً طويلاً يتجاوز مجرد الوعود الانتخابية.
في العمق الحدث التنظيمي، لم تكن جماهير حمدي ولد الرشيد مجرد تمرين في التعبئة الحزبية او مناسبة وطنية، بل هو إعلان صريح عن صمود “نموذج سياسي” خاص بالأقاليم الجنوبية، يتحدى القواعد التقليدية للعمل الحزبي في المركز، فاستمرارية نفوذ آل الرشيد رغم تعاقب الحكومات وتغير الخرائط السياسية، تطرح تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة “العقد الاجتماعي” في جهة العيون، فهو عقد لا يقوم فقط على البرامج الانتخابية الورقية، بل على شبكة معقدة من الحماية الاجتماعية والولاء القبلي والقدرة على “توطين” السياسة لتصبح شأناً عائلياً ومصيرياً لكل بيت بل ولكل فرد.
إن الرسالة الأكثر عمقاً التي وجهتها رياح العيون مؤخراً هي أن “الشرعية الميدانية” تظل هي العملة الصعبة في المناطق الاستراتيجية. فبينما يغرق المنافسون في صراعات “الصالونات” أو الرهان على “التقنوقراط”، يغوص ولد الرشيد بدهائه وتجربته في “التربة المحلية”، محولاً الحزب من أداة سياسية إلى نظام حياة.
في نهاية المطاف، يبقى هذا الاستعراض رسالة للمستقبل قبل الحاضر، أي محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي في الصحراء دون الأخذ بعين الاعتبار هذه “القوة الحاشدة” ستكون مغامرة غير مأمونة العواقب. لقد أثبت حمدي ولد الرشيد أن “الميزان” في العيون ليس مجرد رمز حزبي او مؤسسة سياسية نمطية، بل هو ثقل موازن فزيائية لتقلبات السياسة في المركز، وضمانة للتمثيلية التي ترى فيها الدولة “استقراراً” ويراها الخصوم “هيمة”، لكن يراها الشارع في العيون، وبغض النظر عن الوسائل، عنواناً وحيداً للقوة.


















