مقال رأي _ العيون
تمر منطقة الصحراء اليوم بمنعطف تاريخي يتسم بسيادة حالة من الاحتقان الاجتماعي الصامت، الذي بدأ يتجاوز لغة الأرقام الرسمية ليتحول إلى غليان حقيقي يشي بقرب انفجار احتجاجي قوي وغير مسبوق.
فخلف لغة الأرقام الصماء والاحتفاء بمظاهر التحديث المادي، ينمو شعور عميق وقاتل بالدونية والغبن لدى فئات واسعة من الإنسان الصحراوي، الذي بات يرى في السياسات المتبعة تكريساً لاهتمام الدولة المركزية “بما تحت الأرض” من ثروات طبيعية، فوسفاتية كانت أم بحرية، مقابل تجاهل صارخ وتهميش ممنهج لمن هم “فوق الأرض” من مواطنين يتطلعون للعيش بكرامة في أرضهم.
إن قراءة المسار الاحتجاجي في العشرين سنة الماضية تكشف بوضوح أن المحرك الأساسي للشارع الصحراوي لم يكن ترفاً سياسياً، بل كان دوماً مطلباً اجتماعياً وحقوقياً صرفاً. فقد شهدت المنطقة سلسلة من الهزات الكبرى التي رسمت خارطة الغضب؛ ابتدأت نقطة التحول الكبرى مع انتفاضة سبتمبر 1999 بالعيون، التي كشرت عن أنياب الغضب الاجتماعي المكتوم ودشنت عهد المطالبة بالحقوق الاقتصادية والكرامة فوق الميدان.
ومنذ تلك اللحظة التأسيسية، توالت الهزات التي حددت تضاريس السخط الشعبي؛ من احتجاجات مايو 2005 التي حركت المياه الراكدة في مدينة العيون، تلتها احتجاجات طنطان 2008 التي رفعت شعارات اجتماعية حادة، وصولاً إلى الزلزال الاجتماعي الأبرز وهو مخيم “أكديم إيزيك” عام 2010، الذي كان أكبر تجمع احتجاجي مطلبي يشهده التاريخ المعاصر للمنطقة للمطالبة بالشغل والسكن.
ولم يتوقف النزيف عند هذا الحد، بل استمر عبر احتجاجات الداخلة في 2011، وتحركات تنسيقيات المعطلين الصحراويين التي لم تهدأ منذ 2012، وصولاً إلى الاحتجاجات الفئوية ووقفات أسر المعتقلين الدائمة.
واليوم، تزداد حدة هذا التوتر مع تفاقم أزمة البطالة التي بلغت مستويات قياسية بين صفوف حاملي الشهادات والكفاءات الصحراوية، الذين يجدون أنفسهم غرباء في سوق شغل محلي تسيطر عليه المحسوبية وتغيب عنه الشفافية.
وتترافق هذه الأزمة مع انسداد تام في قنوات الحوار؛ فالمواطن الذي يطالب بحقه يجد نفسه أمام جدار من الصمت البيروقراطي، حيث تظل المكاتب المسؤولة عن تدبير الشأن الترابي بمنأى عن نبض الشارع، مما يعزز الشعور بوجود هوة سحيقة بين مراكز القرار وتطلعات الساكنة؛في ظل غياب رؤية تواصلية تحتضن هذا الغضب وتستوعب مسبباته.
وفي ظل هذا الانسداد، يبرز معطى آخر يزيد من حدة العزلة الاجتماعية، وهو التحول الطارئ على مؤسسة “شيوخ تحديد الهوية”؛ فهؤلاء الذين كان يُفترض فيهم ممارسة دور “الوسيط التاريخي” والترافع عن قضايا قبائلهم، انزاح بعضهم نحو استكانة إدارية جعلت من العائد المادي أولوية على حساب الدور التقليدي الوازن.
هذا التراجع حوّل هذه المؤسسة في نظر الكثيرين من “صوت للمجتمع” إلى أداة تضفي صبغة الشرعية على بعض القرارات غير الموفقة، مما أفقد الشارع صمام أمان تقليدياً كان كفيلاً بامتصاص الاحتقان قبل وصوله إلى نقطة اللاعودة.
وعند إخضاع الواقع الحالي للتحليل السوسيولوجي والسياسي، نجد أن كافة مؤشرات الانفجار الوشيك قد اكتمل نصابها، لعل أبرزها تآكل صمام الأمان الاجتماعي؛ حيث يعكس الانتقال من الاحتجاج المنظم إلى “الهجرة الانتحارية” وصول اليأس إلى ذروته وانقطاع آخر شعرة من الثقة مع الإدارة. يضاف إلى ذلك اتساع الفجوة بين “الثروة” و”الاستفادة”؛ إذ يخلق الترويج للمشاريع العملاقة في ظل انعدام السكن وتفشي البطالة حالة من “الحرمان النسبي” التي تمثل الشرارة لتحويل الشعور بالظلم إلى حراك ميداني، خاصة حين يشعر المواطن بأنه يُستثنى من خيرات أرضه.
أخيراً، تبرز المقاربة الأمنية كعامل تأجيج لا احتواء؛ فالاعتماد الكلي على القبضة والأحكام القاسية يولد حالة من الاحتقان التراكمي. وفي علم النفس الاجتماعي، فإن الضغط المستمر دون منافذ للتفريغ، كالحوار الجاد أو فتح قنوات توظيف عادلة، يؤدي حتماً إلى انفجار فجائي يصعب السيطرة عليه.
إن مشهد الأمهات اللواتي ينتظرن أخبار أبنائهن المفقودين في البحر، والشباب الذي يرى مستقبله مسدوداً، يمثل الوقود الحقيقي لأي انفجار قادم؛ فالاستقرار الذي يُبنى على الصمت القسري هو استقرار هش، وما لم تُفتح الأبواب ويُسمع صوت الإنسان فوق الأرض، فإن القادم قد يكون خارجاً عن كل التوقعات.



















