نخب الصحراء – مقالات
رغم أن الدستور المغربي منح للمجالس الإقليمية أدواراً محورية في تحقيق التنمية المحلية، عبر وضع مخططات تنموية شاملة، والسهر على إدماج مختلف الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية في برامجها، إلا أن الواقع بالجهات الجنوبية الثلاث للمملكة يكشف مفارقة صارخة، مجالس إقليمية تحولت من فضاءات للتنمية إلى هياكل جامدة تستهلك المال العام دون مردودية ملموسة.
لقد ظل المواطن بالصحراء المغربية ولسنوات ينتظر من هذه المجالس إبداعاً في التدبير، ورؤيةً تتماشى مع التوجيهات الملكية الرامية إلى جعل الأقاليم الجنوبية نموذجاً للتنمية، لكن ما حصل هو العكس تماماً. فالمجالس الإقليمية التي تقودها نخب توصف بالضعيفة جداً، تفتقد للخيال التنموي وتعيش على إيقاع الولاءات القبلية، لم تنجح في إخراج أي مشاريع نوعية تغير من وجه الأقاليم أو تلبي طموحات الساكنة الصحراوية.
ولعل أخطر ما يثير الغضب الشعبي هو أن هذه المجالس باتت مؤسسات استنزافية بامتياز، سفريات خارجية لأعضائها، أسطول سيارات جديدة، تعويضات سمينة، ونفقات متكررة لا تنعكس بأي شكل على الحياة اليومية للمواطن، بينما تبقى الأحياء غارقة في الهشاشة، والبنيات التحتية في وضعية كارثية، وفرص الشغل نادرة، مما يعمق من الفوارق الاجتماعية والمجالية.
إن المجالس الإقليمية بالصحراء اليوم أشبه بصناديق مغلقة تديرها نخب “أكل عليها الدهر وشرب”، غير قادرة على تجديد نفسها أو فتح المجال أمام كفاءات شابة قادرة على ضخ دماء جديدة في الممارسة السياسية. وهنا تكمن المعضلة الكبرى، مؤسسات منتخبة يفترض أن تكون أداة للتنمية، لكنها تحولت إلى عبء على التنمية ذاتها.
الساكنة الجنوبية لم تعد تخطئ في توصيف هذه المجالس “مجالس بلا جدوى” فما الجدوى من مؤسسة لا تنتج إلا الاجتماعات العقيمة، والتقاط الصور التذكارية لنخب جلها يعيش حياة البضخ دون أي مجهود فكري أو تنموي، لتظل الحاجيات الأساسية للمواطنين مؤجلة إلى أجل غير مسمى؟
لقد آن الأوان لمراجعة جذرية لوضعية هذه المجالس الإقليمية بالصحراء، عبر محاسبة صارمة للنخب التي فشلت في تدبيرها لسنوات، وفتح المجال أمام طاقات جديدة، قادرة على تحويل هذه المؤسسات من مجرد هياكل مستنزفة إلى رافعة حقيقية للتنمية تتماشا مع المغرب الجديد.


















