الخطاط ينجا .. عندما يتحول “خطاب التعبئة” إلى رسائل مشفرة

17 أبريل 2025
ينجا الخطاط يوجه خطاب قوي لخصومه السياسيين

نخب الصحراء – كريم تكنزا

خلال أشغال الدورتين الإقليميتين لحزب الاستقلال في وادي الذهب وأوسرد، وبلغة شبه قوية تملؤها نبرات الثقة والعزم في الإستمرار في درب النضال، أطلق ينجا الخطاط، المنسق الجهوي لحزب الإستقلال بجهة الداخلة وادي الذهب، خطاب مشحوناً بالرمزية السياسية، وصف فيها الداخلة بأنها “قلعة استقلالية قوية جدًا” تُحسب لها “ألف حساب” في الاستحقاقات الانتخابية ، إلا أن هذا الخطاب، ورغم مظهره التعبوي الظاهري، يحمل في العمق رسائل متعددة الأوجه، تتجاوز حدود التنافس الانتخابي المحلي لتلامس صراعًا سياسياً محتدمًا داخل حزب الاستقلال نفسه.

من الواضح أن الخطاط لا يتحدث فقط إلى الخصوم السياسيين بالجهة، بل يوجه رسائل داخلية أيضًا، أبرزها إلى الجناح الذي يقوده حمدي ولد الرشيد، الزعيم القوي للحزب في جهة العيون الساقية الحمراء. فبين الخطاط وولد الرشيد توتر مستتر بدأ يتبلور تدريجيًا في السنوات الأخيرة، مع سعي كل طرف لتكريس نفوذه داخل الصحراء، إضافة الى ذلك فخطابه هذا القوي يعكس تشبثه بشكل واضح بحزب الاستقلال، في رسالة ضمنية تنسف الفرضيات المتداولة حول رغبته في تغيير انتمائه السياسي نحو حزب التجمع الوطني للأحرار، الخصم الأبرز للاستقلال في الداخلة، بقيادة حدامين حرمة الله، الخصم السياسي المباشر للخطاط في الجهة.

تصريح “الداخلة قلعة استقلالية” قد يبدو للوهلة الأولى تأكيدًا على متانة الحزب بالجهة، لكنه يُقرأ أيضًا كنوع من محاولة فرض الذات داخل المعادلة الصحراوية، التي طالما احتكر حمدي ولد الرشيد تمثيلها داخل أجهزة الحزب، سواء في اللجنة التنفيذية أو في علاقته المباشرة مع قيادة الحزب المركزية بالرباط.

المشهد لا يقتصر فقط على توتر الخطاط ضد ولد الرشيد، بل يتقاطع أيضًا مع دينامية داخلية أخرى يعيشها الحزب، تُعبّر عنها مواقف وانشقاقات رمزية، أبرزها ما يقوده ماء العينين بوكرن، عضو المجلس الوطني للحزب، الذي أصبح صوتًا ناقدًا للقيادة الجهوية بالداخلة ولطريقة تدبيرها للشؤون، خصوصًا في ما يتعلق بتوزيع مواقع القرار، والتوازنات الجهوية التي غالبًا ما يُنظر إليها من زاوية النفوذ القبلي وليس الكفاءة السياسية.

بوكرن، وهو أحد الوجوه داخل الحزب بجهة الداخلة، يمثل تيارًا متصاعدًا يرفض الخضوع لمنطق “الولاءات الجهوية” الذي يميز المشهد الاستقلالي، خصوصًا بالداخلة، وقد شكّل دعمه الضمني أو العلني لبعض التحركات المناوئة للقيادة رسالة مفادها أن الحزب على أبواب تحولات داخلية قد تُعيد تشكيل مركز ثقله الجهوي والوطني.

الخطاط بين مطرقة الخصوم وسندان الداخل

في هذا السياق، يمكن فهم تصريحات الخطاط على أنها محاولة لتثبيت زعامته الجهوية داخل الحزب، واستباق لأي محاولات لتهميشه في ظل اشتداد الصراع الداخلي، خصوصًا إذا ما تم إعادة ترتيب الأوراق التنظيمية في المؤتمر الوطني المقبل. وهو بذلك لا يخاطب فقط ساكنة الداخلة، بل يخاطب أيضًا القيادة المركزية للحزب، موجهًا رسالة واضحة، مفادها “أنا هنا، والداخلة ليست هامشًا بل مركزًا في معادلة الصحراء الاستقلالية”.

تصريحات الخطاط لم تأتِ من فراغ، بل هي جزء من صراع نفوذ داخلي يتصاعد داخل حزب الاستقلال، الذي يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، بين تجديد نخبه وتحقيق التوازن الجهوي، أو الاستمرار في منطق الزعامات التقليدية الذي أصبح يولّد تمردات صامتة وأحيانًا علنية.

ويبقى السؤال مفتوحًا ( هل ينجح الخطاط في فرض موقعه داخل الخريطة الحزبية رغم مقاومة مراكز النفوذ التقليدية ؟

تجدر الإشارة إلى أن ينجا الخطاط يُعد من أبرز الشخصيات السياسية التي برزت بسرعة لافتة في المشهد الجهوي، بفضل قيادته لمجلس جهة الداخلة لوادي الذهب لولايتين متتاليتين. فقد لمع اسمه خلال ولايته الأولى، التي شكّلت مرحلة تحول جذري شمل مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية بالجهة. كما برز بدور فاعل في مجال الدبلوماسية الموازية من خلال تمثيلياته المتعددة، فضلاً عن حضوره اللافت إعلامياً، حيث يُعرف بجرأته في التصريحات والمواقف. فهل تشكّل خطاباته النارية ورسائله المشفّرة تمهيداً لعودة أقوى إلى واجهة التأثير السياسي ؟


اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *