علي شين يكتب .. نخب الصحراء بين الولاء والكفاءة ..

13 يناير 2026
علي شين يكتب .. نخب الصحراء بين الولاء والكفاءة ..

مقالات الرأي : علي شين

لم يعد ممكنًا الاستمرار في الحديث عن نخب أبناء الصحراء بلغة المجاملة أو التحليل البارد فالقضية لم تعد مرتبطة بالتمثيل أو الحضور الرمزي داخل المؤسسات، بل باتت مرتبطة مباشرة بفشل نموذج سياسي كامل في إنتاج نخبة صحراوية قادرة على تحمّل مسؤولية التاريخ والجغرافيا والرهانات الاستراتيجية.

إن ما يُقدَّم اليوم باعتباره [نخبة صحراوية] ليس في الغالب سوى تركيب وظيفي هش، صُمِّم لضمان الولاء والاستقرار المؤقت، لا لبناء تنمية حقيقية أو قيادة سياسية راشدة، وجوهر الإشكال لا يكمن في غياب الكفاءات الصحراوية، بل في الإقصاء الممنهج لها.

الصحراء تزخر بأطر عليا، خبراء، وأكاديميين، وطاقات شابة راكمت تكوينًا وتجربة داخل المغرب وخارجه، لكنها تُقصى لصالح وجوه مستهلكة، لا تمتلك من [المشروعية] سوى الانتماء القبلي أو القدرة على لعب دور الوسيط بين السلطة والمجتمع، وهنا تتحول القبيلة من مكون اجتماعي إلى أداة سياسية لإعادة إنتاج الرداءة.

لقد تم عن وعي، استبدال منطق الدولة بمنطق القبيلة في تدبير الشأن الصحراوي فالتعيينات، والتمثيليات، وحتى فرص الاستثمار والامتياز، تُوزَّع وفق خريطة قبلية غير مكتوبة، تُراعى فيها [التوازنات] أكثر مما تُراعى الكفاءة، والنتيجة نخب محلية عاجزة عن التفكير الاستراتيجي، محدودة الأفق، تشتغل بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة العمومية.

الأخطر من ذلك أن هذا النموذج أنتج نخبًا متواطئة مع الفشل، نخب تعرف جيدًا أنها غير مؤهلة، لكنها تقبل لعب الدور مقابل الامتيازات ونخب أخرى تدرك حجم الاختلال، لكنها تلوذ بالصمت خوفًا من الإقصاء أو فقدان الموقع.

في هذا السياق لم تعد الأزمة أزمة اختيار فقط، بل أزمة مسؤولية أخلاقية وسياسية لنخب قبلت أن تكون واجهة بلا مضمون واستمرار هذا الوضع يضر بشكل مباشر بمصداقية الخطاب الرسمي حول الصحراء المغربية.

فكيف يمكن إقناع الداخل والخارج بعدالة القضية، بينما يُقصى أبناؤها الأكفّاء من مواقع القرار ؟ وكيف يمكن الحديث عن نموذج تنموي خاص بالأقاليم الجنوبية، في ظل غياب نخب قادرة على بلورته والدفاع عنه بذكاء وجرأة ؟ إن الدفاع عن القضية الوطنية لا يتم بالخطب والشعارات، بل بالعقل والكفاءة والإنجاز.

لقد تحولت المسؤولية في الصحراء، في كثير من الحالات، إلى مكافأة سياسية لا إلى تكليف دستوري، تُمنح المناصب لمن [لا يطرح أسئلة] ، ولمن يجيد لغة الولاء أكثر من لغة الأرقام والبرامج، أما من يملك رؤية مستقلة أو خطابًا نقديًا، فيُقصى أو يُحاصر أو يُصنَّف كعنصر غير مرغوب فيه، وهكذا يتم قتل السياسة باسم الاستقرار، وخنق الكفاءة باسم التوازنات.

ما يحدث في الصحراء ليس استثناءً، لكنه أكثر خطورة، لأن المنطقة ليست مجالًا هامشيًا، بل قلب معركة سيادية كبرى. والاستمرار في تدبيرها بعقلية القبيلة والترضية يشكل تهديدًا صامتًا للمستقبل، ويحوّل فرص التنمية إلى مجرد أرقام في تقارير رسمية لا أثر لها في الواقع.

آن الأوان للقول بوضوح <القبيلة لا يمكن أن تكون معيارًا للحكم، والانتماء لا يمكن أن يعوّض الكفاءة، والولاء لا يمكن أن يحل محل المحاسبة> وبناء نخبة صحراوية حقيقية يقتضي قطيعة سياسية شجاعة مع منطق التعيين القبلي، وفتح المجال أمام الكفاءات الصحراوية المستقلة، حتى وإن كانت مزعجة أو ناقدة أو غير قابلة للترويض.

فالصحراء لا تحتاج إلى نخب (مطيعة)، بل إلى نخب قوية ومؤهلة، قادرة على الدفاع عن الوطن بذكاء، وعلى تدبير التنمية بنزاهة، وعلى مواجهة الخصوم بالحجة لا بالوساطة، وكل تأخير في هذا التحول ليس حيادًا، بل مشاركة ضمنية في تكريس الفشل.

علي الشين/باحث في سلك الدكتوراه

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *