نخب الصحراء – تقرير
في آخر دقائق الحوار الذي أجراه السياسي ورجل الأعمال حسن الدرهم مع إحدى المنابر الإعلامية الوطنية، حدثت واقعة قد تبدو، للوهلة الأولى، مجرد تفصيل عابر في لقاء سياسي. فقد أخرج الدرهم ملفاً يتضمن أرقاماً ومعطيات قال إنها توثق لاختلالات مرتبطة بتدبير عدد من المجالس بجهة العيون، قبل أن تطلب منه الصحافية نسخة من الوثائق، وهو الطلب الذي استجاب له دون تردد.
لكن خلف هذه اللقطة البسيطة سؤال سياسي وإعلامي أكبر: لماذا اختار حسن الدرهم، في هذه المرحلة بالذات، نقل جزء من صراعه من المنابر الجهوية إلى الإعلام الوطني؟
فإذا كان الرجل، كما يقول، يتوفر على وثائق وأرقام ومعطيات تتعلق بخروقات واختلالات في تدبير الشأن المحلي، فإن السؤال الطبيعي الذي يفرض نفسه ليس فقط حول مضمون هذه الوثائق، وإنما حول المسار الذي اختاره لإخراجها إلى الرأي العام.
فمادام الأمر يتعلق بمعطيات قد تكون ذات طبيعة رقابية ومالية وتدبيرية، فلماذا لم تتحول هذه الوثائق، بالدرجة الأولى، إلى ملفات موجهة إلى المؤسسات المختصة بالرقابة والمحاسبة؟ وهل سبق أن وُضعت فعلاً أمام الجهات الرقابية، وما الذي كان مآلها إن كان ذلك قد حدث؟
هنا يبرز سؤال أكثر حساسية .. هل فقد حسن الدرهم ثقته في مؤسسات الرقابة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، إلى درجة أصبح معها الإعلام الوطني إحدى القنوات الأساسية التي يختارها لطرح هذه الملفات؟
لا يتعلق الأمر هنا بتبني اتهامات الدرهم أو إصدار أحكام مسبقة على أي مجلس أو مسؤول. فالمعطيات التي يتحدث عنها تحتاج، في النهاية، إلى تدقيق مؤسساتي مستقل، وإلى تمكين الأطراف المعنية من حق الرد والتوضيح. لكن مجرد انتقال الرجل من الحديث داخل المجال الجهوي إلى تقديم ملفاته أمام منبر وطني يستحق القراءة السياسية والإعلامية.
لماذا الإعلام الوطني؟
خلال السنوات الأخيرة، ظل جزء كبير من النقاش الذي يخوضه حسن الدرهم محصوراً في المجال الإعلامي الجهوي، حيث تُطرح قضايا التدبير المحلي والصراعات السياسية والانتقادات الموجهة إلى المنتخبين. غير أن التوجه للمنابر الوطنية هذه المرة يغير قواعد اللعبة.
فالانتقال إلى الإعلام الوطني يعني عملياً إخراج الملف من دائرة الصراع المحلي، حيث يعرف الفاعلون بعضهم البعض وتتشابك المصالح والحسابات، إلى فضاء أوسع وأكثر قدرة على صناعة النقاش العمومي.
وهنا يبرز سؤال ثانٍ لا يقل أهمية .. هل اختار حسن الدرهم الإعلام الوطني لأنه أصبح يرى أن المنابر الجهوية لم تعد قادرة على احتضان هذا النوع من الملفات؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما السبب فهل يتعلق الأمر بما يمكن أن يعتبره الرجل تضييقاً على الإعلام الجهوي؟ أم بتراجع قدرته على التأثير في النقاش المحلي؟ أم أن المسألة ببساطة جزء من استراتيجية جديدة اختار من خلالها رفع مستوى الصراع ونقله إلى فضاء وطني أوسع ؟
هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالانطباعات، لكنها تستحق أن تطرح، خصوصاً إذا كان حسن الدرهم يعتبر أن السنوات الماضية أظهرت محدودية النقاش المحلي في التعامل مع الأرقام والمعطيات التي يثيرها.. لم تأتي بجدوى وظلت حبيسة الإعلام دون تدخل السلطة ومؤسسات الرقابة.
من المعركة المحلية إلى الاختبار الوطني
الأكثر دلالة في خطوة الدرهم ليس فقط تقديمه للوثائق، وإنما اختياره تسليمها أمام الكاميرا لمنبر وطني، فهذا السلوك يحمل رسالة سياسية واضحة : الرجل لم يعد يريد أن تبقى المعركة محصورة في حدود المجالس المنتخبة أو الصحافة المحلية، وإنما يريد أن تصبح القضية جزءاً من الرأي العام الوطني.
وبمعنى آخر، يبدو أن حسن الدرهم انتقل من مرحلة انتقاد التدبير المحلي إلى مرحلة محاولة فرض الملف على الأجندة الإعلامية الوطنية.. وهنا يصبح الإعلام أكثر من مجرد وسيلة لنقل التصريحات، ويتحول إلى أداة ضغط ناعمة، وإلى قناة لإخراج الملفات من دائرة التنازع السياسي الصحراوي إلى فضاء الرأي العام الوطني.. لكن هذا الخيار يحمل أيضاً مخاطرة كبيرة.
فكلما ارتفع مستوى الخطاب من الجهوي إلى الوطني، ارتفع معه سقف الإثبات المطلوب. فالأرقام والوثائق التي تُطرح أمام الرأي العام لا تكفي أن تكون مثيرة، بل ينبغي أن تكون قابلة للتحقق، وأن تُقرأ في سياقها القانوني والمالي، وأن تخضع للتدقيق المؤسساتي ان صحة طبيعة محتواها.
أين توجد المؤسسات الرقابية؟
السؤال الأكثر إزعاجاً، وربما الأكثر أهمية، هو: إذا كان حسن الدرهم يتوفر فعلاً على وثائق تثبت خروقات بالجملة، فلماذا لا تكون المؤسسات الرقابية وعلى رأسها مؤسسة الوالي بيكرات.. أليست هي الأولى للتدخل في حالة وجود أدلة وأرقام تثبت أقواله ؟
أليس من صميم وظيفة أجهزة الرقابة فحص تدبير المال العام، والتحقق من مدى احترام القوانين والمساطر، وترتيب الآثار القانونية عند ثبوت المخالفات؟ ثم ماذا عن المجلس الأعلى للحسابات وباقي أجهزة الرقابة والتفتيش؟ هل سبق أن توصلت هذه المؤسسات بهذه الوثائق؟ وهل فتحت بشأنها أبحاثاً أو افتحاصات؟وهل رُفضت الملفات؟ .. أم أن المسألة لم تتجاوز، إلى حدود الآن، المجال الإعلامي والسياسي؟
هذه الأسئلة ينبغي ألا تُوجه إلى حسن الدرهم وحده، وإنما إلى المؤسسات المعنية أيضاً. لأن استمرار النقاش حول اختلالات مفترضة لسنوات داخل الإعلام ودون أن يتحول إلى مسار رقابي وقانوني واضح، يطرح بدوره سؤالاً حول العلاقة بين السياسي والإعلام والمؤسسة الرقابية.
ماذا يريد حسن الدرهم من نقل المعركة إلى الشمال؟
الأمر لا يتوقف عند الوثائق التي يمتلكها، فالدرهم حاول، في الخطاب نفسه، توسيع النقاش ليشمل قضية سكان مخيمات تندوف، رابطاً عودتهم، وفق رؤيته، بضرورة تخليق الحياة السياسية وتعزيز المحاسبة وفتح المجال أمام الشباب. وهنا يصبح الخلاف أكثر من مجرد مواجهة حول تدبير مجلس أو جهة.
إنه محاولة لتقديم تصور مختلف حول كيفية بناء الشرعية السياسية في الأقاليم الجنوبية: تنمية، محاسبة، تخليق للحياة العامة، وتجديد للنخب.
وبذلك، فإن إخراج الملف إلى الإعلام الوطني قد يكون جزءاً من محاولة لإعادة تعريف الصراع نفسه وتأجيجه، من صراع بين فاعلين محليين إلى نقاش حول النموذج السياسي والتنموي الذي ينبغي أن تكون عليه الأقاليم الجنوبية اليوم .. وهذا تحديداً ما يجعل خطوة الدرهم أكثر حساسية من مجرد تقديم وثائق و أرقام.
المعركة الأخيرة؟ أم بداية مرحلة جديدة؟
من الصعب الجزم بأن حسن الدرهم يخوض بالفعل “معركته الأخيرة” مع خصومه السياسيين بالعيون، كما قد يوحي مسار الأحداث.. لكن المؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت. إنتقال صوت فاعل سياسي من المنابر الجهوية إلى الإعلام الوطني، ويحمل معه وثائق وأرقاماً وملفات، فهو يدرك أن الصراع لم يعد محلياً بالكامل.. والأهم أن هذا الانتقال يضع الجميع اليوم أمام اختبار حقيقي : إذا كانت الوثائق صحيحة، فالمطلوب أن تتولاها المؤسسات المختصة، وإذا كانت غير دقيقة، فمن حق الأطراف المعنية أن تفندها بالأرقام والوثائق أيضاً وان ترفع دعوى ضدده بجريمة التشهير.
أما أن يبقى النقاش محصوراً بين التصريحات والردود السياسية، وأن ينتقل من محلي إلى وطني فهي فضيحة مدوية بطلها مؤسسات الرقابة بالعيون .. انتقال الصراع اليوم لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الصراع نفسه.. في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو لماذا أعطى حسن الدرهم الملفات والوثائق للصحافية، ولا لماذا ظهر في منبر وطني… السؤال الحقيقي هو .. لماذا وصلت قضية يفترض أن تحسمها المؤسسات والوثائق والرقابة إلى الإعلام؟ وهل نحن أمام فاعل سياسي فقد الثقة في قنوات الرقابة المحلية، أم أمام سياسي قرر أن يرفع سقف معركته من الجهوي إلى الوطني في توقيت يتزامن مع انتخابات تشريعية؟… بين الاحتمالين، تبقى الكرة الآن في ملعب المؤسسات الرقابية، كما تبقى مسؤولية الإعلام في التحقق من الوثائق والمعطيات، لا الاكتفاء بإعادة تدوير الاتهامات.
فإذا كانت لدى حسن الدرهم أدلة، فإن قيمتها الحقيقية لن تكون في عدد المنابر التي تُعرض فيها، وإنما في قدرتها على الصمود أمام التدقيق المؤسساتي والقانوني.



















عذراً التعليقات مغلقة