نخب الصحراء – تقرير
أعاد تقرير مؤشر جودة النخب لسنة 2026، المعروف اختصاراً بـ EQx 2026، والصادر عن مؤسسة Foundation for Value Creation في إطار عمل أكاديمي مرتبط بـ University of St. Gallen، فتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة النخب السياسية والاقتصادية وعلاقتها بخلق القيمة داخل الدول، وليس فقط إدارة السلطة أو الاستفادة منها.
التقرير، الذي يعتمد على مقاربة كمية صارمة ترتكز على 148 مؤشراً فرعياً وقياس أداء 151 دولة، ينقل النقاش من السجال السياسي التقليدي إلى تحليل وظيفي يركز على “الأثر” بدل “الخطاب”، وعلى قدرة النخب على تحويل النفوذ والقرار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. ويقوم على تمييز جوهري بين نخب “تخلق القيمة” عبر توسيع الإنتاج والمنافسة وفرص الشغل، ونخب “تستخرج القيمة” عبر تحويل النفوذ إلى امتيازات مغلقة تعيد توزيع الثروة داخل دوائر ضيقة.
في هذا السياق، حلّ المغرب في المرتبة 92 عالمياً ضمن مؤشر EQx 2026، في نتيجة لا تُقرأ كإدانة بقدر ما تعكس، وفق منهجية التقرير، وجود فجوة بين قوة المؤسسات وقدرتها على تحويل النمو إلى أثر اجتماعي واسع. فالمملكة تمتلك اليوم دينامية استثمارية مهمة، خاصة في البنيات التحتية والطاقات المتجددة والمشاريع الكبرى، غير أن السؤال المركزي الذي يطرحه التقرير يتعلق بمدى وصول هذا النمو إلى الفئات الواسعة من المجتمع، وليس فقط إلى الفاعلين الأقرب لمراكز القرار.
وبينما تبدو المؤشرات الوطنية العامة مستقرة نسبياً على مستوى النمو الكلي، فإن الإشكال الحقيقي حسب فلسفة التقري، يكمن في بنية توزيع الفرص داخل الاقتصاد، وفي مدى قدرة السوق على استيعاب المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وضمان صعود اجتماعي قائم على الكفاءة لا على القرب والولاء.
هذا الإطار التحليلي لا يتوقف عند المستوى الوطني، بل يكتسب دلالة أعمق عند إسقاطه على الأقاليم الجنوبية للمغرب، حيث تتقاطع الأسئلة الكبرى حول التنمية مع إشكالات النخب، وتوزيع الثروة، وبنية الاقتصاد المحلي.
في هذا السياق، تكشف حالة الصحراء، خاصة في مدن مثل العيون والداخلة وكلميم، عن مفارقة واضحة بين دينامية استثمارية وعمرانية لافتة من جهة، واستمرار اختلالات في توزيع الفرص الاقتصادية من جهة أخرى.
ففي مدينة العيون، التي شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة عمرانية وبنيوية ملحوظة شملت الطرق والمرافق العمومية والساحات والمشاريع الرياضية، يبرز خطاب محلي متزايد يتحدث عن “تنمية تلامس الحجر أكثر مما تلامس البشر”. خلف هذه الصورة الحضرية الحديثة، تطرح أسئلة حقيقية حول تركّز الصفقات العمومية ورخص الاستثمار والفرص الاقتصادية في يد نخب محدودة، ما يؤدي إلى تضييق هامش المنافسة أمام المقاولات الصغرى والشباب حاملي المشاريع.
هذا التركّز لا يظل مجرد انطباع اجتماعي، بل يجد ما يعززه في مؤشرات البطالة التي تشير إلى أن جهة العيون–الساقية الحمراء من بين الجهات التي سجلت نسب بطالة مرتفعة في التقرير الحكومي الأخير، رغم حجم الاستثمارات العمومية الموجهة إليها. وهنا يطرح السؤال الجوهري الذي يتقاطع مع منطق تقرير EQx 2026: كيف يمكن لجهة تستفيد من استثمارات كبرى أن تعجز عن تحويلها إلى سوق شغل حيوي وواسع؟
الصورة لا تبدو مختلفة كثيراً في جهة كلميم–واد نون، حيث يستمر الاعتماد الكبير على القطاع العام، في ظل ضعف نسبي في خلق أنشطة اقتصادية خاصة قادرة على توليد فرص عمل مستدامة. هذا الوضع يعكس، وفق المنطق نفسه، محدودية في دينامية خلق القيمة، مقابل استمرار أنماط توزيع تقليدية للموارد الاقتصادية.
أما في مدينة الداخلة، فإن التوتر الاجتماعي الذي يظهر من حين لآخر حول ملفات السكن الاجتماعي أو تنظيم قطاع الصيد البحري يكشف بدوره عن إشكال أعمق مرتبط بالحكامة الاقتصادية المحلية. فالصيد البحري، باعتباره أحد أعمدة الاقتصاد المحلي، يظل مجالاً حساساً تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع شبكات النفوذ، ما يخلق توتراً دائماً حول الولوج إلى الرخص والفرص.
وتبرز هنا ملامح ما يسميه تقرير EQx 2026 بـ”نخب استخراج القيمة”، أي تلك النخب التي لا تركز على توسيع الاقتصاد بقدر ما تركز على إدارة توزيعه داخل دوائر مغلقة. وهو ما يؤدي تدريجياً إلى إنتاج اقتصاد محلي أقل تنافسية، وأقل قدرة على خلق فرص متكافئة.
من منظور أوسع، يشير التقرير إلى أن الإشكال لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات أو عدد المشاريع، بل بطريقة تحويل النفوذ الاقتصادي والمؤسساتي إلى أثر اجتماعي. فكلما اقتربت المصالح الخاصة من القرار العمومي، ارتفع خطر إعادة إنتاج الريع، وتقلصت قدرة السوق على العمل وفق قواعد المنافسة العادلة.
هذا الوضع ينعكس اجتماعياً في ثلاثة اتجاهات رئيسية: تراجع معيار الكفاءة أمام منطق العلاقات، اتساع فجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات، وتزايد الشعور بانسداد الأفق لدى فئات واسعة من الشباب، وهو ما قد يدفع بعضها إلى البحث عن بدائل محفوفة بالمخاطر خارج المسارات الاقتصادية التقليدية.
وفي المحصلة، يضع تقرير EQx 2026، كما تُظهره حالتا المغرب والأقاليم الجنوبية، سؤالاً مركزياً يتجاوز الأرقام والمؤشرات: هل تستطيع النخب القائمة اليوم أن تنتقل من منطق إدارة الثروة إلى منطق خلقها؟ وهل يتحول النمو الاقتصادي إلى قيمة اجتماعية واسعة، أم يظل محصوراً داخل دوائر ضيقة تستفيد من قربها من القرار؟
فالقيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن في ترتيب الدول داخل المؤشرات الدولية، بل في قدرته على إعادة طرح الأسئلة الجوهرية حول العدالة الاقتصادية، وتكافؤ الفرص، ووظيفة النخب داخل النموذج التنموي. فالدول لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع كبرى، بل بما تتيحه من إمكانيات متساوية للصعود الاجتماعي، وبما تخلقه من ثقة بين المواطن والدولة.
وفي هذا المعنى، يضعنا هذا التقرير أمام اختبار بسيط وعميق في آن واحد: من يستفيد فعلياً من كعكة النمو؟ وهل نملك اقتصاداً يخلق القيمة للجميع، أم منظومة تُعيد توزيعها داخل دوائر محدودة؟



















عذراً التعليقات مغلقة